الومضة رقم (4): “الهروب من التكليف.. لماذا نتمنى
العمى؟”الاستهلال الوجودي: “نحن لا نبحث عن الحقيقة لنعيشها، بل نبحث عنها لنستريح من قلقها. إن ‘السحاب المركوم’ ليس مجرد غطاءٍ للعين، بل هو ‘مظلةٌ’ نختبئ تحتها من شمس الحقيقة المحرقة. نحن نخشى إذا رأينا الحقائق عارية أن تُطالبنا بتغيير مساراتنا، ففضلنا أن نعيش في ظلِ السحاب المريح على أن نمشي في نور الحقيقة المكلّف.”
أولاً: المشهد (رصد الواقع)
تمر عليك لحظات إلهام، أو تقرأ آية، أو تشهد حدثاً عالمياً يوقظ فيك شعوراً بالمسؤولية، فتفكر في نفسك: “يجب أن أغير حياتي، يجب أن أتوقف عن ممارسة هذا الخطأ، يجب أن أكون أكثر جدية”. لكن، وقبل أن يتحول هذا الشعور إلى فعل، يتدخل عقلك فوراً ويقول: “هذا السحاب المركوم جميل، لا داعي للتعقيد، ما زال الوقت مبكراً، لستَ مكلفاً بإصلاح الكون”.
ثانياً: تأويل السحاب (الخديعة المريحة)
هذا هو “الركام التبريري”. أنت تُسوّف الرؤية لأنك تخاف من “تبعاتها”. إذا اعترفت بأن ما تراه هو “كسفٌ” (نذير)، فأنت مُطالبٌ بـ “ردة فعل” (توبة، تغيير، استقامة). لذا، تختار بكل وعي أن ترى الحدث “سحاباً مركوماً” طبيعياً، لأن السحاب لا يطلب منك شيئاً، لا يطلب منك أن تتغير، ولا يطلب منك أن تتحمل مسؤولية. “الغموض” هو مساحتك الآمنة من “التكليف”.
ثالثاً: نفاذ البصيرة (الكسف الصادم)
الحقيقة التي تهرب منها هي أن “العمى الاختياري لا يعفيك من تبعات الواقع”. إنك حين تسمي “الكسف” سحاباً، فأنت لا توقف حركة القدر، بل أنت فقط تعطل “استعدادك له”. التكليف ليس عبئاً يُضاف إلى حياتك، بل هو “حبل النجاة” الوحيد. إن الرغبة في “الراحة” هي في الحقيقة “رغبةٌ في الغفلة”، وأخطر أنواع الغفلة هي تلك التي نختارها بإرادتنا لنحمي “شهواتنا” من سطوة الحق.
رابعاً: قرار اليوم (الممارسة التحررية)
• المهمة: حدد اليوم “قضية” أو “خطأ” أو “واقعة” كنت تتجنب مواجهتها خوفاً من أن تُغير حياتك.
• التمرين: قف أمام مرآتك، واعترافاً لنفسك دون تجميل: “أنا أسمي هذا ‘سحاباً’ لأني أخاف من تبعات مواجهته، وأخاف أن أكون مكلفاً بتغيير شيء ما في نفسي”.
• الهدف: الهدف هو “الاعتراف بالخوف”. إن مجرد تسمية “الهروب” باسمه الحقيقي يكسر جزءاً من “الركام”. عندما تعترف بأنك تخاف من الحقيقة لأنها ستكلفك، تكون قد بدأت بالفعل في التحرر من سطوة هذا الخوف.
ومظة من كتابي” سحاب مركوم”
حكمة اليوم
هندسة التركيز
“النجاح ليس سباقاً لإضافة المهام، بل هو شجاعة الاستغناء عن العبء.”
إن فن الإدارة الحقيقية يتجلى في القدرة على التمييز بين “الحركة” و “الإنجاز”. فكثيرون يتحركون طوال اليوم لكنهم لا يتقدمون خطوة واحدة نحو أهدافهم الكبرى، لأنهم غارقون في “الانشغال الزائف”.
جوهر الحكمة
كما يرتقي الصائم بالامتناع، يرتقي القائد بالتخلي. التخلي عن تفاصيل لا تصنع فارقاً، وعن اجتماعات تستهلك الروح قبل الوقت، وعن الرغبة في السيطرة التي تخنق الإبداع.
القاعدة الذهبية: كل “نعم” لشيء تافه، هي “لا” خفية لشيء مصيري.
ومضة تطبيقية (تمرين المرآة)
اليوم، وقبل أن تبدأ قائمة “المهام المطلوبة”، أجب على هذا السؤال بصدق:
ما هو الشيء الذي لو توقفت عن فعله الآن، سيزداد إنتاجي وتتحسن جودة حياتي؟
ختاماً..
تذكر دائماً أن الوقت لا يضيق أبداً على من عرف ماذا يترك، وأن الفراغ الذي تتركه بحذف “عديم القيمة” هو المساحة الوحيدة التي سينمو فيها “عظيم الأثر”.


لا تعليق