سلسلة اثر الكوتشينغ والتدريب على حياة الفرد والمجتمع سنتاول اليوم ما سبب هذا التوتر وتلك الضغوطات على حياة الفرد والمجتمع الاسباب والحلول واثر الكوتشينغ والتدريب في ذلك .
تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة حالة واضحة من التذبذب بين أنماط التفكير التقليدية ومتطلبات الواقع المعاصر. هذا التذبذب لا ينعكس على البنية الاجتماعية فحسب، بل يمتدّ ليطال الفرد ذاته، مؤثرًا في قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. وفي ظل هذا السياق المتسارع، يصبح الانتقال من الاستهلاك إلى الاستيعاب، ومن التكرار إلى الإنتاج، ضرورة وجودية وليست مجرد خيار معرفي يمكن تجاوزه أو تأجيله.
وإذ ندرك هذا الطرح اليوم — سواء كنا نعلمه سابقًا أو نكتشفه الآن — فإننا لا نكتفي بعرض المشكلة دون حلول، بل نضع بين يدي الفرد مجموعة من النقاط التي تمثل مسارًا عمليًا للنمو والتطور. ويبدأ هذا المسار بالخروج من إطار العقل الدائري؛ ذلك العقل الذي يعيد إنتاج الماضي وتدويره في كل القضايا المعاصرة، ويحاول إسقاطه على الحاضر، مستحضرًا نفس الإشكالات القديمة، ومكررًا الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة، دون تقدم فعلي نحو الحلول.
إن إيقاف تفعيل العقل الدائري ضرورة ملحّة، لأن الاستمرار في نمط “كنا… وكنا…” لا ينتج وعيًا، ولا يبني مستقبلًا. ومن هنا تأتي أهمية التدريب والكوتشينغ بوصفهما أدوات لتفعيل العقل المستقيم لدى الفرد، من خلال التعلم والتدريب والمحاضرات، بما يعزز بناء وعي منتج بدلًا من الاستهلاك المفرط، وتدوير الأفكار والقضايا، أو الانغماس
في التماهي الروحي أو التمادي المادي.
ويبدأ العقل المستقيم من تحديد إشكالية محددة، ثم تحليلها وفق معطيات الواقع، وصولًا إلى إنتاج حلول قابلة للتطبيق، تتناسب مع طبيعة وثقافة كل مجتمع. وعند الانتهاء من معالجة إشكالية ما، ينتقل الفرد مباشرة إلى قضية جديدة دون العودة إلى نقطة الصفر أو إعادة فتح ملفات سابقة استُهلكت نقاشًا وجدلاً.
إن تنوير الفرد وتعزيز دور العقل المستقيم يحوّل المجتمع إلى نمط تفكير أكثر اتساقًا مع الواقع، ويجعل الفرد قادرًا على فهم العالم المعاصر بعمق، والتحرر من التبعية الفكرية التي تعاني منها كثير من المجتمعات العربية في الاستشهادات والأقوال وحتى الاعتقادات. وهنا يبدأ بناء هوية معرفية مستقلة، لا قائمة على التبعية، بل على الوعي والقدرة على اتخاذ القرار بعقلانية، بعيدًا عن العاطفة المفرطة أو الانقياد غير الواعي.
كما أن تكريس ثقافة الاستهلاك — سواء المادي أو الفكري أو حتى الروحاني — يمثل خطرًا حقيقيًا، لأنه يزيد من حدة الصراعات الداخلية، ويرفع مستويات التوتر والضغط النفسي والقلق والاكتئاب، وقد يخلق شخصيات تعاني من العصابية أو الذهانية أو اضطرابات المزاج مثل ثنائي القطب. فالفرد حين يُحاصر داخل منظومة استهلاكية ذات توقعات عالية وغير واقعية، يجد نفسه في سباق مادي وروحي يفقده المعنى، ويغيب عنه الوعي النقدي، فيصبح التوتر نتيجة طبيعية لغياب الوعي المنتج
من هنا، لا يقتصر دور المدرب أو الكوتش على التعليم والتدريب والتوجيه والإرشاد، بل يتجاوز ذلك إلى رفع درجة الوعي الفردي، وتحرير الشخص من العقل الدائري، ومساعدته على بناء رؤية مستقيمة، والخروج من دائرة الفردانية الاستهلاكية والتبعية، وتمكينه من مواجهة الضغوط الاجتماعية، وبناء علاقة صحية مع ذاته ومع العالم.
ويبدأ التحول الحضاري الحقيقي من لحظة الخروج من العقل الدائري إلى العقل المستقيم. ومن خلال هذا التحول، يُعاد تشكيل علاقة الفرد بالمجتمع، ويُمنح الإنسان القدرة على مواجهة التوتر والاضطرابات النفسية من موقع الفاعلية لا من موقع الضحية. ويبدأ هذا المسار بالوعي، عبر جلسات الكوتشينغ التي نقدّمها، وبالتدريب، ثم يتجذر من خلال الممارسة اليومية لما يتلقاه الفرد — سواء عبر جلسات الكوتشينغ أو الدورات التدريبية أو التعلم الحر.
وهذا ما نسعى إلى تقديمه للجميع في أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية AIA… وللحديث بقية.
في السلسلة القادمة سنتناول الأسباب التي أدّت إلى إخفاق الكوتشينغ والتدريب في تحقيق الأهداف الأساسية والفعالية المرجوّة، سواء في العالم العربي بشكل خاص أو على مستوى العالم بشكل عام


لا تعليق