فحص ما قبل الزواج: ضرورة صحية أم انتهاك للخصوصية؟
في ١٦ أغسطس بقاعة قسم DFMC بأكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA)، اشتعلت حلقة نقاش مثمرة وملهمة حول موضوع بات يؤرق المجتمعات العربية: إلزام المقبلين على الزواج بفحص طبي ونفسي. كان النقاش، الذي أثراه أعضاء الأكاديمية من الخبراء والمدربين المعتمدين دوليا، بمثابة مرآة تعكس التباين في وجهات النظر، مع تسليط الضوء على ضرورة الارتقاء بالوعي المجتمعي نحو بناء أسر أكثر استقرارا.
اُفتتح النقاش د. عبدالقادر العداقي بقوله هل انت مع وضع تشريع جديد يلزم المقبلين على الزواج بإجراء فحص طبي لتقييم الحالة النفسية والعقلية قبل إجراء عقد القرآن؟ فأتت اول مداخلة قوية من المدربة المعتمدة دوليا، الأستاذة رشا فوزي من مصر، التي أيّدت بقوة فكرة الفحص الطبي والنفسي قبل الزواج. رأت أن هذه الخطوة “مهمة جدا لضمان زواج ناجح ومستقر” وأنها تحمي الطرفين من المشاكل المستقبلية. بينما خالفتها الرأي الدكتورة إلهام من المغرب، مؤكدة أنها لا توافق على الإلزام بالفحص، بل ترى أن الدورات التدريبية التأهيلية للزواج يجب أن تكون إلزامية، مع اقتراحها إضافة دورات متخصصة في تربية الأطفال.
لم يمضِ وقت طويل حتى انضمت الماستر لايف كوتش الدكتورة صباح المنصوري من تونس إلى فريق المؤيدين، مقارنةً الفحص النفسي بفحص الدم، ورأت أنه “سينقذ أجيالًا”. لكنها أثارت نقطة محورية حول إمكانية تطبيق الفكرة على أرض الواقع دون “خداع وغش”، خاصةً مع وجود تجارب سابقة تشير إلى عدم جدية البعض في هذه الفحوصات. كما ألقت الضوء على المشكلة الحقيقية المتمثلة في وعي الأفراد الذين يركزون على الجانب الشكلي للزواج دون التفكير في تبعاته النفسية.
وفي السياق نفسه، أيّدت الدكتورة سيفان من لبنان فكرة الفحص، مشيرة إلى أن الكثير من الأشخاص يحملون “صدمات طفولة” أو يعانون من “خزانات فارغة” من الاهتمام والحب، مما يجعلهم يدخلون علاقات لأسباب خاطئة. وعززت الدكتورة جواهر من المغرب هذا التأييد، مؤكدة أن الفحص يساهم في حماية الأسر من الأمراض النفسية والعقلية التي تؤثر سلبا على الحياة الزوجية وتربية الأبناء. لكنها، وبتحليل عميق، استعرضت المخاوف المرتبطة بهذه الفحوصات، مثل انتهاك الخصوصية والوصم الاجتماعي، مما يجعل الإجابة على السؤال “ليست نعم أو لا بشكل قاطع”.
أما اللايف كوتش ماريا تيجه مبارك المرابطي من المغرب، بصفتها مستشارة أسرية وزوجية، فقد أيّدت الفحص بشروط تضمن فعاليته واحترام الخصوصية، ورأت أنه “أداة وقائية تعزز نجاح العلاقة”. وأكدت الدكتورة أسماء الداوي من المغرب على ضرورة هذه الفحوصات في “ظل تفاقم النزاعات الأسرية وارتفاع حالات الطلاق”، معتبرة أنها خطوة وقائية.
في محاولة للإجابة على سؤال الدكتور عبدالقادر العداقي حول كيفية إجراء هذا الفحص دون انتهاك الخصوصية، قدمت الأستاذة رشا من مصر واللايف كوتش ماريا من المغرب حلولًا عملية، مثل إجراء الفحوصات بسرية تامة، وتشفير التقارير، وتطبيق عقوبات رادعة على من ينتهك السرية.
وانتقل النقاش إلى نقطة أخرى مهمة طرحها الدكتور العداقي: ما مدى نسبة قبول الفرد لمثل هذه الاختبارات؟ تباينت الآراء مجددًا، حيث رأت الدكتورة صباح أن القبول “سيكون على حسب نسبة وعي الفرد”، بينما أكدت الدكتورة أسماء الداوي أن النسبة “في البداية ستكون قليلة جدًا وسيكون هناك انتقادات”.
هنا، لخص الدكتور عبدالقادر العداقي المشكلة الأساسية في “الوعي”، مؤكدًا على الدور الجوهري للتنمية الذاتية، مثل الكوتشينغ والدورات التدريبية، في رفع الوعي لدى الأفراد والمجتمعات. وشدد على ضرورة اختيار المصادر الموثوقة لهذه الدورات. كما أشار إلى أن تطبيق مثل هذا القانون قد يواجه رفضا كبيرا في بعض المجتمعات، بل وقد يؤدي إلى “تراجع في نسبة الإقبال على الزواج” بسبب عدم جاهزية المجتمع.
في ختام النقاش، قدمت الماستر لايف كوتش د.فاطمة القماح ملخصا شاملاً، مؤكدة أن الفحص النفسي “ليس أبدًا وصماً للناس”، بل هو خطوة وقائية ضرورية لحماية الأسر من مشاكل مستقبلية. وأنهت كلمتها بسؤال مفتوح: هل من الأفضل أن يكون هذا الفحص إلزاميا بقوة القانون، أم يكفي أن يكون اختياريا مع تكثيف التوعية بأهميته؟
النقاش الذي دار في أكاديمية AIA لم يقدم إجابات حاسمة، بل فتح الباب لمزيد من التفكير حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الفرد والمجتمع. إنه يدعونا إلى رحلة طويلة من التوعية والتثقيف، بحيث يصبح الفحص النفسي قبل الزواج ليس مجرد قانون يُفرض، بل قناعة راسخة تنبع من إيمان حقيقي بأهمية بناء أسر سليمة ومجتمع مستقر.
بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي
حرر بتاريخ ٢٢ صفر ١٤٤٧هجرية الموافق ١٦ أغسطس ٢٠٢٥م
لا تعليق