المودة الزوجية: هل هي لفتات يومية أم خطوات كبيرة؟
في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة، تظل العلاقات الزوجية الواحة التي نلجأ إليها بحثًا عن السكينة. ولكن كيف تُبنى هذه الواحة؟ هل هي باللحظات الكبيرة التي لا تُنسى، أم بالتفاصيل الصغيرة التي تُنسج خيطًا بخيط؟ هذا هو السؤال الذي طرح في نقاشٍ عميق داخل قاعة DFMC بأكاديمية الدكتور عبد القادر العداقي الدولية (AIA)، حيث شبه المودة في الزواج بـ “تطبيق سحري” يحتاج إلى “تحديث منتظم” ليعمل بسلاسة.
كان السؤال محور النقاش: “هل تُبنى المودة باللفتات الصغيرة اليومية أم بالخطوات الكبيرة في الأزمات؟” وما أيهما يدوم أثره: “هدية باهظة في عيد الزواج، أم كلمة دافئة كل صباح؟”
اللفتات الصغيرة… الوقود اليومي للعلاقة
أضاءت الدكتورة جواهر من المغرب جوانب هذا السؤال بتشبيه العلاقة الزوجية بـ “الحديقة التي تتطلب سقيا يوميا ورعاية مستمرة”. وأكدت أن اللفتات الصغيرة هي “الوقود اليومي” الذي يغذي العلاقة. فكلمة “صباح الخير” بابتسامة، أو كوب قهوة مُعدّ في الصباح، تُرسل رسالة واضحة للشريك تقول: “أنا أهتم لأمرك”. هذه الأفعال البسيطة لا تكسر روتين الحياة اليومية فحسب، بل تخلق شعورا بالأمان العاطفي وتجدد العهد بين الشريكين.
وفي إطار هذا النقاش، أضافت الماستر لايف كوتش فاطمة القماح أن المودة “ليست رفاهية”، بل هي “وقود يومي” يُبقي العلاقة حية. وشبهتها بـ “لغة سرية بين الزوجين”، مؤكدة أن كلمات بسيطة مثل “وفقك الله” أو “تذكرتك وابتسمت” تُحدث أثرًا سحريًا وتُحول اللحظات العادية إلى ومضات من الحب. واستطردت مشبهة المودة بسقي نبتة، فاللفتات اليومية تُبقيها “مزهرة دائمًا”، بينما الخطوات الكبيرة قد تنقذها بعد أن تذبل.
الخطوات الكبيرة… امتحانات لعمق العلاقة
على الجانب الآخر، لم يُغفل المشاركون أهمية الخطوات الكبيرة. فقد أشارت الدكتورة جواهر إلى أن الهدايا باهظة الثمن والوقوف بجانب الشريك في الأزمات لها دورها. الهدية تُظهر أنك تتذكر المناسبة وتهتم بها، أما الوقوف في الأزمات الصحية أو المالية فهو “اختبار حقيقي لعمق العلاقة” يمنحها صلابة وقوة لا تُنسى.
من جانبه، أضاف المدرب الدولي د. نضال من لبنان أن الهدايا تُعد “عربون شكر واهتمام”، وهي “أمر ضروري” لتفعيل العلاقة وإنقاذها في بعض الأحيان. كما أشار إلى أن مرحلة الفتور بعد سنوات من الزواج أمر طبيعي مرتبط بـ”الطبيعة البشرية التي تحب التجدد”، وهو ما يتطلب من الطرفين العمل على تجديد العلاقة بشكل مستمر.
الاحترام المتبادل… أساس لا غنى عنه
وقد توسع الدكتور إبراهيم من المغرب في الحديث عن أسس العلاقة الزوجية مستندًا إلى الآية الكريمة: “وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” (الروم: 21). وأكد أن المودة والرحمة ليستا مجرد مشاعر عابرة، بل هبة إلهية وأساس قوي للاستقرار. وشدد على أن الاحترام المتبادل، والكلمة الطيبة، والدعم في الأزمات، والتجديد في العلاقة، هي كلها عناصر ضرورية لتحقيق المودة.
في هذا السياق، قدم المدرب الدولي د. عبد القادر العداقي مداخلة جوهرية أكد فيها أن الاحترام المتبادل هو “جسر المودة والسكينة”. وأضاف أن الاحترام هو “نوع فاخر من الحب”، وأن العلاقات التي تفتقر إليه قد يتبخر منها الحب مع مرور الوقت. وأشار إلى أن كسر الاحترام يعني “انهيار العلاقة” واستحالة ترميمها.
الخلاصة: التراكم لا اللحظة
في الختام، اتفق المشاركون على أن المودة الحقيقية ليست وليدة لحظة عابرة أو هدية باهظة، بل هي نتاج “تراكمات إيجابية مستمرة” من اللفتات الصغيرة. الكلمة الطيبة كل صباح قد لا تُنسى، بينما بريق الهدية قد يخفت.
قدمت الدكتورة جواهر نصائح عملية للزوجين، منها التركيز على “التراكم لا اللحظة” وخلق “روتين للمودة” يكسر الملل.

اللفتات الصغيرة هي حصن العلاقة من الأزمات

لخصت الماستر فاطمة القماح الفكرة بأن المودة الزوجية ليست مجرد رفاهية، بل هي “وقود يومي” يمد العلاقة بالحياة، وشبهتها بـ “لغة سرية” خاصة بالزوجين. وشددت على أن توقف هذا الحوار يؤدي إلى تمدد “الصمت العاطفي”.
أوضحت القماح أن اللفتات الصغيرة اليومية، مثل كلمة طيبة من الزوجة لزوجها قبل العمل (“وفقك الله، أنا فخورة بك”)، أو رسالة نصية من الزوج لزوجته أثناء النهار (“تذكرتك اللحظة وابتسمت”)، لها تأثير سحري وتحول اللحظات العادية إلى ومضات مودة. وأشارت إلى أن هذه اللفتات البسيطة هي التي تحصّن العلاقة وتمنعها من الوصول إلى الأزمات أصلاً.
وعلى الرغم من أهمية الخطوات الكبيرة في الأزمات، مثل الإمساك باليد أو الحضن لإعادة الشعور بالأمان، إلا أن القماح أكدت أن هذه الأفعال الكبيرة قد تنقذ العلاقة، لكن اللفتات الصغيرة هي التي تحافظ عليها قوية ومزدهرة بشكل يومي. وشبهت ذلك بسقي النبتة؛ فالري اليومي يحافظ عليها مزهرة دائمًا، بينما الماء الغزير قد ينقذها بعد أن تذبل.
وفي ختام مداخلتها، طرحت سؤالًا مهمًا: “أيهما أعمق أثرًا على المدى البعيد: كلمة صباحية كل يوم أم مفاجأة كبيرة في السنة؟ وهل يمكن أن تتعايش الطريقتان معًا لتعزيز المودة؟” لتعطي مساحة للتفكير في أن المودة هي “سلسلة من اللحظات الصغيرة التي تُبنى يوميًا” لتكوّن علاقة زوجية صلبة وسليمة.
المودة… “حساب توفير عاطفي” في العلاقة الزوجية
تفاعلاً مع مداخلة الماستر لايف كوتش فاطمة القماح، قدمت الدكتورة جواهر تلخيصًا عميقًا لمفاهيم المودة، مؤكدًا على أن المودة هي “وقود يومي لا يمكن الاستغناء عنه”. وأثنت على تشبيهها للمودة بـ “لغة سرية بين الزوجين”، مشيرًا إلى أن هذا التشبيه يتقاطع بشكل كبير مع نظرية “حساب التوفير العاطفي” في علم النفس.
وأوضحت د.جواهر أن الأفعال الإيجابية الصغيرة، مثل الكلمات الطيبة واللمسات الحانية، هي بمثابة “إيداعات” يومية في هذا الحساب المشترك. وكلما زادت هذه الإيداعات، زاد رصيد الحب والأمان. أما الخلافات والإهمال، فهي “سحوبات” قد تؤدي إلى “الإفلاس العاطفي”. ومن هنا، تكمن أهمية اللفتات اليومية في تحصين هذا الحساب.
كما فرّقت بين الحب والمودة، معتبرة أن الحب شعور عميق، بينما المودة هي الفعل الذي يترجم هذا الحب إلى واقع ملموس. واعتبرت أن المفاجآت الكبيرة قد تكون تعبيرًا عن الحب، لكن الكلمة الطيبة اليومية هي تجسيد للمودة المستمرة.
وفي إجابتها عن السؤال الذي طرحته القماح، أكدت أن الكلمة الصباحية اليومية أعمق أثرًا على المدى البعيد، نظرًا لاستمراريتها التي ترسّخ الأمان في اللاوعي. وفيما يتعلق بإمكانية تعايش الطريقتين، أكدت أن الإجابة هي نعم، فهما يكملان بعضهما البعض. فاللفتات اليومية هي الأساس المتين للعلاقة (الري اليومي للنبتة)، والمفاجآت الكبيرة هي دفعة منعشة وقوية (سماد خاص يضيف جمالاً وحيوية).

بهذا النقاش الملهم، تتضح لنا الصورة: الزواج لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى عناية يومية، وإلى وعي بأهمية اللفتات الصغيرة التي تزرع الحب وتحصّن العلاقة من الأزمات. وفي الأزمات، تُثبت المواقف الكبيرة قوة هذا الحب، ليكون كل من الطرفين سندًا للآخر.
بقلم د. منور عبد الرقيب الصنومي
حرر بتاريخ: ١٤ أغسطس ٢٠٢٥ م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *