أي عقل تحمل؟ عظيم أم متوسط أم صغير؟
بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي
تاريخ التحرير: ٥ أغسطس ٢٠٢٥م (١١ صفر ١٤٤٧هـ)
“العقول العظيمة تتكلم عن الأفكار، العقول المتوسطة تتكلم عن الأحداث، أما العقول الصغيرة فتتكلم عن الناس.” هذا الاقتباس، الذي يُنسب غالبًا إلى الفيلسوفة إليانور روزفلت، ليس مجرد جملة عابرة بل هو مرآة تعكس أعمق الحقائق حول كيفية توجيه الإنسان لفكره وتركيزه. إنها دعوة للتأمل في نوعية حواراتنا، وطبيعة اهتماماتنا، والأثر الذي نتركه في هذا العالم. إن الإجابة على سؤال “أي عقل أحمل؟” تكمن في طريقة تفكيرك اليومية.
العقول العظيمة: محركات الإبداع والتغيير
العقول العظيمة لا تضيع وقتها في جدال عقيم حول الأشخاص أو تفاصيل الأحداث اليومية. إنها ترتقي لتلامس الأفكار الكبرى التي تشكل المستقبل. هؤلاء الأشخاص هم بناة الحضارات ومحركو التغيير. هم من يطرحون الأسئلة الجوهرية: “كيف يمكننا حل هذه المشكلة؟” أو “ماذا لو طبقنا هذه الفكرة؟” أو “كيف نبتكر حلولًا لمواجهة التحديات؟”. إنهم يركزون على الإبداع، والابتكار، ووضع استراتيجيات تهدف إلى تحقيق أثر إيجابي. الحديث معهم هو رحلة فكرية تُثري العقل وتلهم الروح، فهم يفتحون أبوابًا جديدة للتفكير ويدفعونك لتكون جزءًا من الحل لا مجرد مراقب للواقع.
العقول المتوسطة: مراقبون للأحداث لا صانعوها
في المقابل، تجد العقول المتوسطة التي تُبحر في تحليل الأحداث وتفاصيلها دون أن تتجاوزها إلى مرحلة الحلول. إنهم يستهلكون الأخبار، يحللون ما جرى، وقد يشاركون في النقاشات حوله، لكنهم نادرًا ما يتخذون خطوة نحو تغيير الواقع الذي يصفونه. طاقتهم تُستنزف في تتبع ما يحدث بدلًا من استثمارها في صنع ما يجب أن يحدث. هذا النمط من التفكير يجعل الإنسان عالقًا في دائرة من الاستهلاك السلبي للمعلومات، مما يحد من قدرته على الإبداع أو المساهمة الفاعلة في مجتمعه.
العقول الصغيرة: سجن من النميمة والانتقاد
أما العقول الصغيرة، فهي الأسوأ حالًا، إذ إنها لا ترتقي حتى لمستوى الأحداث، بل تظل محصورة في فلك الحديث عن الناس. إنهم ينشغلون بالنميمة، والانتقاد، وتتبع عيوب الآخرين، والحكم عليهم. هذا النمط من الحديث لا ينتج سوى الطاقة السلبية، ويُبذر بذور الحقد والضغينة، ويُضيع الوقت الثمين الذي يمكن استثماره في تطوير الذات. إن الانغماس في أحاديث الناس هو مؤشر على فراغ داخلي، وعلى عدم وجود أفكار أو طموحات أكبر تستحق الاهتمام.
التوجيه العملي: اختيارك يحدد مصيرك
إن هذا التقسيم ليس حكمًا بقدر ما هو دعوة واعية لتوجيه تفكيرنا. فالاختيار بيدك لتحدد أين تضع نفسك.
* تواصل مع العقول العظيمة: ابحث عن الأشخاص الذين يثيرون فيك الشغف بالأفكار البناءة والنقاشات العميقة. انضم إلى المجتمعات التي تُقدّر الإبداع والابتكار.
* تجنب الركود في الأحداث: كن مطلعًا على ما يجري، لكن لا تسمح للأحداث أن تسيطر على تفكيرك. اسأل نفسك دائمًا: “كيف يمكنني المساهمة في جعل الوضع أفضل؟”
* ابتعد عن العقول الصغيرة: اجعل تركيزك على تطوير نفسك بدلًا من تتبع الآخرين. تذكر أن الحديث عن الناس لا يُضيف لك شيئًا، بل يستهلك من قيمتك.
إن رحلة الارتقاء من العقل الصغير إلى العظيم تبدأ بقرار واعٍ بتغيير طبيعة حديثك. فبدلًا من أن تسأل “ماذا فعل فلان؟” اسأل “ماذا يمكنني أن أفعل؟” وبدلًا من أن تقول “هكذا هو الحال” قل “هكذا يمكن أن يكون الحال.” في النهاية، أنت ما تفكر به، فاجعل أفكارك عظيمة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *