منهجية الفعل: كيف يُولد الحماس من رحم الحركة؟
شهدت اليوم قاعة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA) حوارا ثريا ونقاشا عميقا حول مقولة محورية تُلامس جوهر التنمية الذاتية والسلوك البشري: “لا تنتظر الشعور بالحماس، تحرك أولًا وسيأتيك الحماس في الطريق“. هذا الحوار الذي فتح المجال أمام رؤى متعددة شارك فيها نخبة من الماستر لايف كوتشز و المتخصصين والدكاترة ليُثبتوا أن هذه المقولة ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي دعوة علمية للتحرر من قيود التردد.
الحماس: نتيجة لا سبب
بدأت المداخلات بتأكيد كوتش سيرين، مدربة التنمية الذاتية والمعالجة بالطاقة، على أن الإيمان هو أساس الفعل، “آمن بحماسك ستراه، آمن بالثقة ستراها”. هذه الفكرة تُمهد الطريق للمفهوم الذي سيُبنى عليه النقاش: أن الإيمان يسبق التجلي.
تأتي مداخلة الماستر لايف كوتش فاطمة القماح لتوضح هذا المفهوم بشكل أعمق، حيث أكدت أن الكثيرين ينتظرون الشعور بالحماس قبل البدء، وهو ما يُطيل أمد الانتظار. لكن الحقيقة هي أن الحركة هي التي تولد الطاقة والحماس. فالدماغ يُكافئنا بإفراز هرمون الدوبامين عند إنجاز أصغر مهمة، مما يُعزز شعورنا بالرضا والحماس. وكما وضّحت، “الشعور دائمًا يتبع الفعل وليس العكس”. هذه الفكرة مدعومة بأمثلة واقعية، مثل الشعور بالنشاط الذي يأتي بعد بدء ممارسة الرياضة، وليس قبلها.
تُعزز الدكتورة جواهر من المغرب،هذا الطرح عبر تحليل نفسي وعصبي عميق. فهي تُشير إلى أن التردد يُبقي الدماغ ساكنًا ويُعطل إفراز الدوبامين. وبمجرد البدء، حتى بخطوة بسيطة، تبدأ “حلقة إيجابية”؛ فالفعل يُولد الدوبامين، والدوبامين يُعزز الحماس.
الدكتور رشيد مورجاني من المغرب يُضيف بُعدا تاريخيا وفلسفيا للمقولة، مستشهدا بحكمة الجاحظ “إذا هممت بأمر فامض فيه، فإن التردد يبلي العزائم”. كما ربط الفكرة بنظرية الدافع الذاتي التي تُؤكد أن الحافز الداخلي ينمو مع الشعور بالكفاءة والإنجاز، وهما شعوران لا يأتيان إلا بعد البدء في العمل.
ضوابط المنهجية والاستدلال
في سياق النقاش، طرح الماستر لايف كوتش عبد الرحيم الدادسي نقطة هامة تتعلق بمنهجية الاستدلال، مشيرا إلى أن الاستشهاد بآيات القرآن الكريم يجب أن يتم ضمن سياقها الصحيح وأسباب نزولها. فرغم أن فكرة الإنفاق المعنوي ككلمة طيبة أو مساعدة مقبولة ومطلوبة، إلا أن آية (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) تُفسّر في سياقها القرآني بأنها تتعلق بالإنفاق المادي، وهذا ما أكّده علماء التفسير مثل ابن كثير والطبري.
هذه المداخلة أثارت نقاشا مُعمقا، حيث أكدت الدكتورة جواهر على أهمية الرجوع إلى أسباب النزول وسياق الآيات لضمان فهم صحيح ودقيق، مُشيدة بدور الدكتور عبد الرحيم في ضبط المنهجية. كما أيّدت الماستر لايف كوتش فاطمة القماح فكرة الإنفاق الشامل، موضحة أن الآية تُعلمنا أن كل إنسان لديه سعة معينة، سواء كانت مادية أو معنوية، والمطلوب منه هو العطاء من هذه السعة.
الخلاصة: الانضباط يصنع الإنجاز
تتفق جميع المداخلات على أن هذه المقولة ليست مجرد حافز مؤقت، بل هي دعوة إلى الانضباط والاستمرارية. وكما لخّصها الدكتور رشيد مورجاني في جملة بليغة: “من انتظر الحماس كي يبدأ، فاته قطار العمر، ومن تحرك دون حماس، ركب القطار”. فالحماس كالنور، لا يرى إلا بعد إشعال مصدره.
تُضيف الدكتورة فوزية الناصري من المغرب ربطا مهما بين هذه المقولة وعادة المبادرة، وهي أولى العادات السبع للناس الأكثر فعالية التي تحدث عنها ستيفن كوفي، لتُؤكد أن الفعل هو أول خطوة نحو تحقيق الأهداف.
وختاما، يُلخّص الماستر لايف كوتش عبد الرحيم الدادسي جوهر الحوار بالقول: “السر وراء الإنجازات العظيمة يكمن في الانضباط، أي فعل ما تكرهه نفسك والاستمرار على ذلك دون انقطاع”.
لقد كان هذا الحوار نموذجا حيا لكيفية بناء الفهم من خلال تبادل الأفكار، ودمج الرؤى الفلسفية والنفسية والعلمية مع احترام الضوابط المنهجية والدينية، ليخرج الجميع باستنتاج موحد: الفعل هو مفتاح الحماس، والانضباط هو محرك الإنجاز.
بقلم د. منور عبد الرقيب الصنومي
حرر بتاريخ: 9 صفر 1447 هـ الموافق 3 أغسطس 2025م
لا تعليق