رحلة التغيير: من الاعتراف بالذات إلى التحول الحقيقي

بقلم د.منورعبدالرقيب الصنومي

تعد رحلة التغيير الشخصي عملية معقدة ومتعددة المراحل، تبدأ بخطوة قد تبدو بسيطة لكنها تحمل في طياتها قوة هائلة: الاعتراف بالذات. هذا ما أكدت عليه اللايف كوتش خديجة من المغرب في طرحها الثري، الذي سلط الضوء على أن الاعتراف بما يزعجنا أو يؤلمنا هو بداية الوعي الحقيقي وبوابة نحو التغيير.
الاعتراف: ليس ضعفًا بل بداية الشفاء
توضح الكوتش خديجة أن الإنكار أو التظاهر بأن كل شيء بخير يجمّد التقدم ويؤخر النمو. وتقدم مثالًا قويًا لذلك، وهو الشخص الذي يعاني من القلق ولكنه ينكره، فيبقى حبيسًا لدائرة المعاناة دون أن يبحث عن حل. هذا الإنكار يخلق صراعًا نفسيًا داخليًا صامتًا، يظهر على شكل قلق وتوتر وتقلبات مزاجية، كما أشارت. لكن عندما نواجه أنفسنا بالحقيقة، حتى لو كانت صعبة، فإننا نحرر طاقة نفسية كبيرة كانت مكبوتة، يمكن استغلالها بعد ذلك في التغيير الإيجابي وبناء الذات.
وقد أيدت اللايف كوتش د. نعيمة المحبوب هذا الطرح، واصفة الصدق مع النفس بأنه “الجهاد الأكبر”. مؤكدة أنه خطوة صعبة تتطلب شجاعة لمواجهة النفس والاعتراف بالسلبيات، وأنها تشبه الوقوف أمام مرآة تعكس الحقيقة.
ما بعد الاعتراف: تحديات التحول من الوعي إلى الفعل
بينما يمثل الاعتراف نقطة انطلاق أساسية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذا الوعي إلى تغيير فعلي، وهو ما تناولته الدكتورة جواهر من المغرب.
تتفق الدكتورة جواهر مع أهمية الاعتراف، ولكنها تؤكد على أن الاعتراف لا يضمن الوصول إلى التغيير. وتوضح أن الوعي بالمشكلة ليس كافيًا بحد ذاته، إذ تبرز عقبات أخرى تتطلب جهدًا مضاعفًا. وتشير إلى أن التغيير يتطلب مجموعة من المكونات الأساسية مثل:
* الرغبة الحقيقية: قد يعترف الشخص بمشكلته، ولكنه قد لا يمتلك الرغبة العميقة في التغيير، سواء خوفًا من المجهول أو بسبب الراحة التي يجدها في الوضع الراهن، حتى لو كان مؤلمًا.
* الإرادة والعزيمة: التغيير عملية طويلة وشاقة تتطلب قدرًا كبيرًا من العزم والمثابرة لمواجهة الانتكاسات. فمجرد معرفة المشكلة لا يمنحنا العزم تلقائيًا.
* الأدوات والاستراتيجيات: الاعتراف يحدد المشكلة، لكنه لا يقدم الحل. يحتاج الفرد إلى تعلم أدوات واستراتيجيات للتعامل معها، مثل العلاج السلوكي المعرفي أو غيره من الأساليب.
* الانضباط الذاتي: يتطلب التغيير السلوكي تبني عادات جديدة والتخلص من القديمة، وهذا يحتاج إلى انضباط ذاتي صارم والتزام مستمر بالخطة.
وتتساءل الدكتورة جواهر عن الأسباب التي قد تمنع التغيير رغم الاعتراف، وتذكر من بينها الخوف من العملية العلاجية، ونقص الموارد، والمقاومة اللاواعية التي تهدف إلى البقاء في منطقة الراحة المألوفة.
الاعتراف والاستعانة بالله: قانون كوني للتغيير
من جانبها، قدمت الكوتش سيرين وجهة نظر روحانية عميقة، مؤكدة أن “لولا الاعتراف لما كان التغيير”. واستشهدت بقصة النبي يونس عليه السلام الذي اعترف بذنبه قائلًا: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”. فكانت النتيجة أن أنجاه الله، وهذا ما تعتبره الكوتش سيرين قانونًا كونيًا؛ فمن كان صادقًا في نيته واعترف بما لديه من قيود، واستعان بربه، فإن الله سيسخر له الكون لمساعدته.
كما تحدثت الدكتورة أمل الجودر من البحرين بتسجيل صوتي عن “المعركة مع الذات”، مؤكدة أنها ليست سهلة، وهو ما أثنى عليه الدكتور عبد القادر العداقي الذي اعتبر هذه الجلسة الصباحية الملهمة بمثابة حديث الروح إلى الروح.
في الختام، يمكن القول إن رحلة التغيير رحلة متكاملة تبدأ بـ الاعتراف الشجاع بالذات كخطوة أولى نحو الوعي، ثم تستمر من خلال العزيمة، والإرادة، والانضباط، والاستعانة بالله لتُترجم هذه المعرفة إلى أفعال حقيقية تؤدي إلى تحول جذري في حياة الفرد.
حرر ٦صفر١٤٤٧هجرية الموافق ٣١يوليو٢٠٢٥م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *