[الصباح صفحة بيضاء]
بقلم د.منورعبدالرقيب الصنومي
جرى امس تحليل عميق لمقولة ملهمة في حوار الأكاديمية الدولية AIA
تُعدّ مقولة “كل صباح جديد هو صفحة بيضاء فاكتب فيها ما يسرك أن تراه في المساء” دعوة للتفاؤل والعمل الإيجابي وتُقدّم غالبا كفكرة بسيطة ومباشرة.
ولكن في حوار ثري استضافته الأكاديمية الدولية AIA شارك فيه نخبة من الخبراء والمدربين اتضح أن هذه المقولة تحمل أبعادا أعمق وأكثر تعقيدا مما تبدو عليه.
وقد كشفت المناقشات عن وجهات نظر متكاملة جمعت بين الدعم العلمي والتحليل النقدي لتخرج في النهاية برؤية متوازنة وشيقة.
♣︎الجانب التحفيزي: النية، الوعي، والأسس النفسية
بدأت شرارة الحوار بمقولة《د.منور الصنومي》 التي فتحت الباب واسعا للحديث عن قوة البدايات. هنا قدمت 《اللايف كوتش د.خديجة من المغرب》 دفعة قوية للعبارة مستندة إلى دراسات علمية حديثة.
أوضحت د.خديجة أن التفكير الإيجابي في الصباح يفعل ما يُعرف بـ التوجيه العقلي وهي آلية نفسية تجعل الأفراد أكثر إنتاجية. واستشهدت بدراسات من جامعتي هارفارد وبنسلفانيا مؤكدة أن تحديد النوايا الصباحية يقلل التشتت ويزيد من احتمالية تحقيق الأهداف بنسبة تصل إلى 42%.
كما سلطت الضوء على تأثير البداية الجديدة الذي يزيد من استعداد الإنسان للتغيير في بداية كل يوم.
ولم تكتف د. خديجة بذلك بل أضافت رؤى من أحدث الأبحاث في مجالات الصحة النفسية والجسدية.
فقد أشارت إلى أن ممارسة الامتنان صباحا تخفّض هرمون التوتر وتزيد من هرمون السعادة (السيروتونين) مستندة في ذلك إلى دراسة نشرتها مجلة Emotion عام 2023.
كما لفتت الانتباه إلى أهمية “ساعة القوة الأولى” بعد الاستيقاظ، والتي ترفع من معدل الإنجاز اليومي بشكل ملحوظ.
هذه الرؤية التحفيزية لقيت صدى لدى المشاركين الآخرين.
فقد أكدت《المدربةالمعتمدة دولياهبة محمد اليوسفي》 على أن “النية الطيبة” ليست سذاجة بل هي “ذكاء روحي” يغير نظرة الإنسان للعالم. وشجعت على كتابة النية يوميا كدافع أساسي. من جانبها أضافت 《د. نعيمة قدوري》 أن كل لحظة هي “اختيار” وفرصة للخلود وأن الحضور والامتنان هما السبيل إلى رؤية الحياة بعيون التقدير.
بينما اعتبرت 《الماستر لايف كوتش فاطمة القماح》 أن الصباح فرصة لمصافحة الحياة بلطف وأن ما يُزرع في الصباح يُحصد في المساء.
♣︎الجانب النقدي: بين وهم السيطرة وواقع الحياة المعقد
على النقيض من هذه الرؤى الإيجابية قدمت 《الدكتورة جواهر من المغرب》 تحليلا نقديا عميقا لتلك المقولة.
لم يكن هدفها التقليل من أهمية التفاؤل بل الدعوة إلى فهم أكثر واقعية للحياة.
حذرت الدكتورة جواهر من أن المقولة قد تبالغ في تبسيط الواقع فالحياة ليست دائما “صفحة بيضاء” يمكن التحكم بها بالكامل.
إنها مليئة بـ القيود التي لا يمكن محوها، مثل الظروف الصحية الالتزامات العائلية والعوامل الاقتصادية والسياسية التي لا تخضع لسيطرتنا.
وأوضحت أن فكرة أن الفرد هو الكاتب الوحيد لـ “صفحته” قد تخلق وهما بالسيطرة المطلقة على الأحداث والنتائج.
وهذا الوهم وإن كان مريحا نفسيا في البداية قد يؤدي إلى جلد الذات والشعور بالإحباط في حال لم تتحقق الأهداف مما يجعل الفرد يلوم نفسه على الفشل.
كما نبهت إلى أن التركيز المفرط على “ما يسرك أن تراه في المساء” يغفل جمال وأهمية العملية بحد ذاتها فالحياة ليست مجرد نتائج بل هي مجموعة من التجارب والدروس القيمة.
واختتمت الدكتورة جواهر طرحها بالتأكيد على أن المقولة تتجاهل الترابط البشري حيث إن حياتنا مرتبطة بشكل وثيق بحياة الآخرين وما نكتبه على صفحتنا يؤثر على صفحاتهم والعكس صحيح.
وهذا يتطلب منا التفكير في المسؤولية المشتركة والعمل الجماعي وليس فقط في الإنجاز الفردي.
خاتمة: كتابة واعية في ظل الظروف
يُظهر الحوار الثري الذي دار في قاعة الأكاديمية الدولية AIA أن المقولة ليست مجرد دعوة سطحية للتفاؤل بل هي فكرة تحتاج إلى فهم أعمق.
يمكننا أن نستفيد من الجانب الإيجابي الذي قدمته اللايف كوتش د. خديجة وزملاؤها من خلال تبني النوايا الحسنة والوعي بقوة البدايات. وفي الوقت نفسه علينا أن نأخذ في الاعتبار التحليل النقدي الذي قدمته الدكتورة جواهر لنفهم أن الحياة تُكتب في سياق معقد وأن القوة الحقيقية تكمن في كيفية تعاملنا مع القيود وكيف نختار أن نملأ المساحات المتاحة لنا.
إن الجمال الحقيقي يكمن في كيفية تعاملنا مع تلك القيود وكيف نختار أن نملأ المساحات المتاحة لنا حتى عندما لا تكون النتيجة في المساء هي بالضبط ما سرنا أن نراه.
فالصفحة قد لا تكون بيضاء تماما ولكن ما نكتبه عليها بوعي ومسؤولية هو الذي يحدد قيمتها في نهاية المطاف.
إنها دعوة للتصميم والجهد وليست بالضرورة ضمانة للنتائج المحددة.
وهكذا تكون كل لحظة في يومنا بمثابة فرصة لترك بصمة حتى لو كانت الظروف صعبة وفي هذا الجهد الواعي تكمن السعادة الحقيقية.
حرر٥صفر١٤٤٧هجرية الموافق٣٠يوليو٢٠٢٥م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *