♣︎سيكولوجية الحياد في الاستشارات الأسرية والزواجية: حوار العقل المتزن في زمن التحولات♣︎
**بقلم: د. منور عبدالرقيب الصنومي**
في جلسة حوارية فكرية استضافتها منصة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA) قسم DFMC، اجتمع نخبة من الخبراء والمستشارين من مختلف الدول العربية لمناقشة قضية محورية في صميم العمل الإنساني والاستشاري: **“سيكولوجية الحياد”**.
أدار النقاش وأرسى قواعده **المدرب الدولي الدكتور عبدالقادر العداقي**، الذي طرح تساؤلات عميقة حول كيفية فهم الآخر في العلاقات الأسرية والزواجية بعيدا عن الأحكام المسبقة والبرمجة المجتمعية، مما فتح الباب لنقاش ثري ومتعدد الأبعاد.
**أساس الحوار: الانطلاق من عين الآخر لا من موروثاتنا الفكرية**
افتتح **الدكتور عبدالقادر العداقي** الجلسة بدعوة صادقة إلى تبني “سيكولوجية الحيادية” كقاعدة أساسية في الحوار، خاصة في القضايا الأسرية والزواجية.
وأوضح أن فهم الآخر يجب أن ينطلق من تعريفه لنفسه، لا من الصورة التي اختزلتها تجاربنا أو قوالبنا الفكرية المسبقة. وحذر من أن التصورات التي نكوّنها نتيجة الصدامات أو البرمجة المجتمعية تشوه الحقيقة وتجعل أحكامنا ناقصة.
وأكد الدكتور العداقي أن الحيادية النفسية تعني التخلي عن هذه القوالب من أجل الإصغاء العميق والتعلم الحقيقي. وشدد على أن ممارسي مهن المساندة الإنسانية، كالكوتشينغ والاستشارات، يفقدون أثرهم المهني العميق إذا لم يتبنوا هذا المنهج.
واختتم طرحه بسؤال جوهري موجه للذات: **”حين تحاور إنسانا مختلفا عنك، هل تنطلق مما هو مكدّس في رأسك؟ أم تسعى أولاً لفهمه من خلال عينه هو؟”**
**نظرة المرأة والرجل للزواج اليوم: بين صراع الأدوار والبحث عن شراكة حقيقية**
أضاف **الدكتور العداقي** بُعدا عمليا للنقاش، متسائلاً عن رؤية كل من الرجل والمرأة للآخر ولفكرة الزواج في ظل واقع اليوم، خاصة بين جيل الشباب.
وتساءل عن أسباب الصراع حول إكمال الدراسة أو التمسك بالعمل، وهل هو نابع من خلل في منظومة البناء الأسري، أم من سوء فهم لفكرة الزواج، أم هو نتيجة لتأثير المفهوم الذكوري السلطوي أو الحركات النسوية وشعاراتها مثل “كوني قوية مستقلة”؟ كما طرح تساؤلاً حول أصل وجود الذكورية والنسوية، وهل هي حركات إصلاحية أم مولدة للنزاع، وما هو تعريف المساواة في ظل كل منهما.
**مداخلات الخبراء: إثراء المفهوم وتعميق الأبعاد**
تفاعل الخبراء مع هذا الطرح العميق، حيث قدم كل منهم رؤيته التي أضافت طبقة جديدة من الفهم:
**الدكتور رشيد مورجاني من المغرب**، أشاد بالطرح، مؤكدا أن “الكلمة البهية تخرج من فكر سوي، لا يحمل سيفا، بل يحمل وعيا نقيا”. وأضاف حكمة بليغة: **”نحن لا نولد بقوالب جاهزة، بل نغذى بها… ومن أراد تحرير العقل من أسرها، وجب أن يغتسل من ركام الصور المعلبة”**.
واعتبر أن الحياد هو ميزان العدل القائم على الإصغاء بلا تزييف، مختتما بأن **”من لا يفهم الناس كما هم، فلن يصلح فيهم ما فسد، ولو حمل ألف جواب”**.
**المدربة المعتمدة دوليا د.سميرة الواعري من تونس**، وصفت الطرح بالراقي والعميق، معتبرة أن “سيكولوجية الحياد هي شجاعة الوعي بأننا لا نملك الحقيقة وحدنا، وأن فهم الواقع المشترك يبدأ من الإصغاء لا من الإسقاط”.
وأعادت صياغة السؤال المحوري ببراعة: **”هل نتحاور لنفهم؟! أم لنثبت صواب رؤيتنا؟”**، وهو سؤال يجب أن يطرحه الأزواج عند كل خلاف.
**المدربة المعتمدة دوليا الأستاذة رشا فوزي من مصر**، رأت في الجلسة “دعوة صادقة للارتقاء الإنساني في زمن تعلو فيه الأصوات على المعاني”.
واعترفت بأن الإنسان، رغم وعيه، يحتاج إلى مجاهدة النفس للتخلص من الرواسب الفكرية. وأضافت: **”أسعى أن أضع أحمالي الذهنية جانبا على عتبة كل لقاء… وأن أرى الإنسان أمامي من خلال عينيه هو، لا من خلال عدساتي أنا”**.
**الدكتورة إلهام المنصوري من المغرب**، قدمت رؤية عملية لكيفية تطبيق الحيادية من خلال مهارة طرح الأسئلة، مقترحة استخدام لغة بسيطة، وتجنب المصطلحات الغامضة، والتحقق من الفهم عبر أسئلة مباشرة مثل: “هل فهمت ما قلته بشكل صحيح؟” أو “هل يمكن أن تشرح لي ذلك أكثر؟”.
كما أكدت على ضرورة فهم سيكولوجية الجنس الآخر لتجاوز نقص المعرفة الذي قد يُظن خطأً أنه نقص في الحيادية.
واقترحت خطوات عملية لمراقبة التحيزات الذاتية، مثل الوعي بالتحيزات المعرفية، وتقييم الأفكار بموضوعية، وأخذ الوقت الكافي قبل إصدار الأحكام.
**تحليل معمق: من الصراع إلى التكامل**
قدمت **الدكتورة جواهر من المغرب**، تحليلا شاملاً ومتعمقا، حيث أكدت أن الحيادية النفسية هي ركيزة أساسية للمستشار الأسري.
وأوضحت أن نظرة جيل اليوم للزواج أصبحت أكثر تعقيدا، حيث تبحث المرأة عن شريك داعم لطموحاتها، بينما يواجه الرجل ضغطا لإعادة تعريف دوره بين التقليد والحداثة.
وفي تحليلها لأسباب الصراع حول الدراسة والعمل، رأت أنه ليس بالضرورة خللاً، بل مؤشر على تغير القيم.
وأرجعت الصراع إلى عوامل متداخلة تشمل: خلل في فهم معنى التضامن الأسري، وتصورات متباينة عن الزواج، واستمرار المفهوم الذكوري السلطوي، والتفسيرات المتطرفة للحركة النسوية.
وحول الذكورية والنسوية، أوضحت أن كلتيهما يمكن أن تكون حركة إصلاحية في جوهرها، لكنها تتحول إلى أداة لتوليد النزاع عند التطرف. وأكدت أن المساواة الحقيقية لا تعني التطابق، بل التكامل والتكافؤ في القيمة والاحترام المتبادل، وتوزيع الأدوار بناءً على القدرات والرغبات المشتركة، لا القوالب الجامدة.
**تعقيب فلسفي: نحو ميثاق جديد للعلاقة الزوجية**
في تعقيب ثري على مداخلة الدكتورة جواهر، أضاف **الدكتور رشيد مورجاني** بُعدا فلسفيا، مؤكدا أننا لسنا فقط أمام صراع بين “الذكورية” و”النسوية”، بل **”أمام تحول حضاري في ماهية العلاقة الإنسانية ذاتها”**.
ووصف الأزمة بأنها “أزمة فهم فلسفة الوجود المشترك، لا فقط توزيع الأدوار”.
ودعا إلى **”إعادة كتابة ميثاق العلاقة الزوجية بروح جديدة”**، لا يبنى على “من فوق ومن تحت”، بل على “نحن” و”معا”.
وحث المستشارين على تغيير بوصلة الحوار من “من الظالم؟” إلى “أين اختل التوازن؟”، ومن “ما حقي؟” إلى “ما دوري؟”.
واختتم بدعوة ملهمة: **”يا أيها الزوج، كن نبع أمان، لا سيف سيطرة.
ويا أيتها الزوجة، كوني شريكا واعيا، لا خصما متأهبا”**.
**خاتمة واقتراح للمستقبل**
أثنت **الدكتورة جواهر** على عمق رؤية الدكتور رشيد، مؤكدة أن إعادة إحياء قيمة الحوار الصادق هو المفتاح لكل قفل.
وفي ختام هذا النقاش المثمر، اقترحت **الدكتورة إلهام المنصوري** تجميع هذه المداخلات القيمة في كتيب يرفق بالدورات التدريبية كمرجعية عربية في الكوتشينغ، وهو ما أيده **الدكتور عبدالقادر العداقي**، الذي أثنى على الطرح العلمي والمهني للدكتورة جواهر واصفا إياه بأنه يستحق أن يتحول إلى كتاب.
لقد أظهر هذا الحوار الفكري أن الطريق إلى علاقات أسرية وزواجية صحية ومستقرة في عالمنا المعاصر يمر حتما عبر بوابة “الحيادية النفسية”، ويتطلب وعيا متزنا، وحوارا صادقا، وسعيا دؤوبا نحو فهم الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون.
إنها دعوة مفتوحة لإعادة بناء الجسور على أسس من الاحترام والتكامل والشراكة الحقيقية.
حرر٣صفر١٤٤٧هجرية الموافق ٢٠٢٥/٧/٢٨م
لا تعليق