سيكولوجية الحيادية: مفتاح الفهم في العلاقات الأسرية والزواجية
بقلم: د. منور عبدالرقيب الصنومي
في خضم تعقيدات الحياة الأسرية والزواجية، حيث تتشابك الأفكار وتتعدد وجهات النظر، يبرز مفهوم الحيادية النفسية كمنهج أساسي لا غنى عنه لفهم الواقع وبناء حوارات مثمرة. سواء كنت زوجًا أو زوجة، أو مجرد فرد يسعى لعيش حياة متوازنة بعيدًا عن الاضطرابات والتحيزات العاطفية، فإن تبني هذه السيكولوجية يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق فهم أعمق للآخر.
عندما نرغب في محاورة الآخر – سواء كان رجلًا أو امرأة، وفي قضايا أسرية، زواجية، مجتمعية، أو حتى في قضايا الدين والثقافة المختلفة – يجب أن ننطلق من قاعدة نفسية أساسية: أن نسعى لفهمه كما يريد هو أن يُعرّف نفسه، لا كما اختزلته تجاربنا أو أحكامنا المسبقة، ولا كما تمليه علينا معارفنا ومفاهيمنا الخاصة.
كثيرًا ما نحمل في عقولنا تصورات مسبقة نشأت من صدامات أو تجارب غير مريحة، أو حتى من برمجة لاواعية أو مجتمعية تلقيناها عبر التعليم، الإعلام، أو التربية. هذه التصورات تدفعنا لتصنيف الآخر ضمن قوالب معينة، مما يشوه الحقيقة ويجعل أحكامنا ناقصة وقاصرة. الحيادية النفسية تعني أن نتخلى عن تلك القوالب الجامدة، لنمنح أنفسنا فرصة للإصغاء العميق والتعلم الحقيقي من الآخر، مهما اختلف عنا شكلاً أو مضمونًا، عرقًا أو جنسية.
إن من يعمل في مجالات المساندة الإنسانية – مثل الكوتشينغ والتدريب، التعليم، العلاج النفسي، أو الاستشارات – لا يليق به أن يقصي الآخر أو يحكم عليه قبل أن يسعى لفهمه بصدق. فمن دون هذه السيكولوجية العميقة، تصبح ممارساتنا المهنية سطحية، وتفقد أثرها الحقيقي والعميق. بل إن الدين نفسه، في جوهره، لا يعني الانغلاق، بل هو دعوة للانفتاح وفهم وجهات نظر الآخر لخلق حوار بناء وهادف، لا مجرد ضجيج لا ينتج عنه سوى الطحن العقلي بحجة مناصرة أفكارنا وما نعتقد به. هذا المبدأ ينطبق تمامًا على قضايا المرأة والرجل، حيث يجب أن يتجرد كل طرف من أحكامه المسبقة لفهم الآخر.
ختاما، وكنقطة انطلاق لجلسة كوتشينغ عميقة، أتركك مع هذا السؤال الجوهري الذي يدعونا للتأمل:
حين تحاور إنسانًا مختلفًا عنك، هل تنطلق مما هو مكدّس في رأسك من أفكار وتصورات مسبقة؟ أم تسعى أولًا لفهمه من خلال عينه هو، ومن منظوره الخاص؟
مستوحاه من كتابة د.عبدالقادر العداقي
حرر ٢صفر ١٤٤٧هجرية الموافق ٢٧/٧/٢٠٢٥م
لا تعليق