*💥الإدراك هو الهوية كيف يُشكّل الإيمان واقعك ويتجاوز مفهوم السببيةالأرسطية؟*
تُعدّ الجلسة النقاشية التي دارت في قاعة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA) بتاريخ ٢٨ و ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥م حول مفهوم *”الفيزياء اللاأرسطية للإدراك”* نقطة تحوّل عميقة في فهم آليات التغيير في الكوتشينغ.
لم يكن النقاش مجرد تبادل للأفكار بل كان عملية تشريح وتحليل لجوهر المقاومة الإنسانية للتغيير وكيف أن الإيمان والمعتقدات الراسخة تُصبح نظام تشغيل باطني يحمي الهوية ويصنع الواقع بدلاً من مجرد إدراكه.
*١.الجذور* تحطيم السببية الأرسطية والإدراك كخلق للواقع
*افتتحت الدكتورة جواهر هبهم (المغرب)*
التحليل بطرح جريء، مشيرة إلى أن الجلسة تروم إعادة هيكلة الجذر الإدراكي وليس مجرد تغيير الأفكار.
وقد لخّصت الفلسفة الجديدة بالانتقال من مفهوم السببية الأرسطية التقليدية (السبب الخارجي يؤدي للنتيجة) إلى مفهوم الكمومية/الجديدة:
“إيمانك” بالحظ السيئ (المُراقب) هو ما يُسقط هذا الواقع في مسار حياتك (التأثير)… إذ لا يتعلق الأمر بإدراك الواقع بل يتعلق بصناعة الواقع من خلال فلاتر الإيمان الراسخ.
كما أكّدت أن الإدراك كنظام تشغيل وليس ذاكرة تخزين موضحة أن النظام الإدراكي القديم قد يعيق رؤية الفرص حتى لو كانت واضحة ليتم تجاهلها أو تحويلها إلى خطر لحماية القناعات المسبقة.
الإيمان في هذا السياق هو عملية اختيار الواقع من حقل الاحتمالات اللامتناهي.
*٢.النظام الإدراكي القديم* دفاع عن الهوية لا عن الفكرة أبدع *المدرب الدولي الدكتور عبدالقادر العداقي* في استكمال الطرح مؤكداً أن جوهر المشكلة يكمن في النظام الإدراكي الباطني الذي يصبح جزءا أصيلا من هوية الفرد النفسية والشخصية. وقد لخّص ذلك بقوله *إنّ العديد من الأشخاص يخشون مواجهة ذواتهم بل يهربون منها ليس لضعف في القدرة وإنما حفاظا على ذلك النظام الإدراكي القديم الذي اعتادوا ان يروا انفسهم من خلاله.
ووصف *الدكتور العداقي* الحالة بـ الإدمان النفسي على النظام الإدراكي القديم، حيث يعود الأفراد سريعا إلى عبارات مألوفة مثل *”أنا منحوس”* عند أول تحدٍّ ليس قناعةً بالقدر بل لحماية هذا النظام الذي يمنحهم شعوراً زائفاً بالأمان.
كما دعم أحد المشاركين هذا الطرح بالعبارة المضيئة: الناس لا تدافع عن “الأفكار” … بل تدافع عن “هويتهم”.
*٣.منطقة الراحة الإدراكية والخوف من فراغ الهوية*
أضافت *الدكتورة جواهر هبهم (المغرب)* بُعداً نفسياً عميقاً لوصف المقاومة، مشيرة إلى مفهوم منطقة الراحة الإدراكية:
النظام الإدراكي القديم… هي مجموعة القناعات والمفاهيم التي لا تحتاج إلى جهد لتفسير العالم… فعندما يرى الفرد العالم وفقا لنظامه القديم :”أنا غير محظوظ”، فإنه يوفّر طاقة إدراكية.
وأشارت إلى الخوف من فراغ الهوية حيث أن النظام الإدراكي القديم بكل سلبياته (كالقلق والاكتئاب) يمنح الفرد شعوراً بـ “من أنا”، فقد تكون الهوية المزعومة هي “أنا الضحية”.
وهذا يفسر لماذا يرى العقل الباطن أن التغيير يعني فناء الهوية الحالية.
*ودعمت الكوتش والمدربة قصباوي خديجة (المغرب)* هذا التحليل مشيرة إلى أن الدفاع عن النظام القديم هو دفاع عن الانتماء والتماسك الداخلي، كما نوّهت إلى أن التمسك بالنظام المؤلم هو مقارنة الراحة في المعاناة المألوفة، لأن المجهول أكثر إرهاباً من الألم المتوقع.
*٤.الكوتشينغ وإعادة هيكلة الهوية*
شدد *المدرب الدولي الدكتور عبدالقادر العداقي* على أن التغيير الفعّال يتطلب فصل النظام الإدراكي القديم عن الهوية الذاتية. واستشهد بمبدأي الكوتشينغ الأساسيين: خلق مسافة بين الذات وأحداث الحياة وتحمل المسؤولية الذاتية.
واستشهد الدكتور العداقي بالآية الكريمة: *{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}* موضحاً أن الإيمان (النظام الإدراكي) ليس قدراً مطلقاً بل هو رهين بما كسبت النفس من برمجة ومعتقدات، مما يؤكد مبدأ المسؤولية الفردية في الكوتشينغ.
وعقبت *الدكتورة جواهر هبهم (المغرب)* على ذلك، مشيرة إلى أن مهمة الكوتشينغ الحقيقية ترتفع من تغيير سلوكي إلى إعادة هيكلة الهوية وإعادة تعريف الذات.
كما أشارت المشاركات *د. فوزية الناصري (المغرب) و ضياء بو علي (لبنان) و صفاء سهيل فرزان (لبنان)* إلى تجليات هذا النظام في الحياة اليومية ومقاومة العملاء في الجلسات:
*د. فوزية الناصري* ربطت المشكلة بـ غياب التحاور البناء دون حساسية بين الأزواج.
*ضياء بو علي* رصد آليات الهروب إلى التبرير (“أنا هكذا بطبعي”) والاختباء وراء الهجوم على الخارج (“الجميع دائمًا يظلمني”) لحماية الهوية كشخص ضحية.
*صفاء سهيل فرزان* حللت أسباب رفض الجديد في أربعة نقاط (دفاع عن الهوية، الخوف من المجهول، الارتباط العاطفي بالماضي، والمقاومة الداخلية للطاقة)، وأكدت أن الرفض ليس عناداً بل آلية نفسية تحمي الهوية وتوفّر الأمان.
وفي *ختام التحليل* أكدت *الدكتورة جواهر هبهم (المغرب)* أن التغيير يهدد الرأسمال المعرفي المكتسب والمكانة الاجتماعية للفرد، مما يجعل الرفض دفاعاً ليس فقط عما نعرفه بل عن من نحن في نظر الآخرين.
*٥.الخلاصة العملية* تشكيل الواقع عبر الوعي
*ختم النقاش* بموضوع “كيف تُشكِّل معتقداتُك واقعَك”، حيث أكدت د. جواهر هبهم أن المعتقدات تُصبح مرشحات معرفية وتؤسس لـ التنبؤات المُحققة لذاتها عبر السعي التأكيدي. كما أشارت إلى تأثير المعتقدات على الجانب الفيزيولوجي (تأثير البلاسيبو) والعلاقاتي (الصدى الاجتماعي).
وأنهت *الكوتش والمدربة قصباوي خديجة* الطرح بتقديم خطوات عملية للتفكيك المعرفي والبدء في إعادة صياغة المعتقدات، مؤكدة: الواقع تغير لأن نظرتي له تغيرت.
المراقبة الواعية هي أول خطوة نحو التحرر، حيث يكمن جوهر الكوتشينغ في تحويل الفرد من مُتلقٍ سلبي للواقع إلى صانع نشط لحقيقته.


لا تعليق