بين العقل والقلب: الحيادية الإنسانية في عالم الكوتشينغ
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، ومع هيمنة العقل والمنطق على مختلف مجالات حياتنا، يبرز تساؤل مهم حول مفهوم الحيادية. هل الحيادية المطلقة التي تتجرد من المشاعر هي فضيلة؟ أم أنها قد تتحول إلى قناع يقتل إنسانيتنا ويفقدنا جوهر وجودنا؟ هذا السؤال كان محور نقاش عميق في قاعة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدوليةAIA، حيث شارك فيه مجموعة من الكوتشز والمدربين المتميزين.
بدأت النقاشات بمشاركة من الدكتورة إلهام المنصوري، التي حذرت من خطورة الحيادية السلبية التي تمجد العقل على حساب القلب، وتجعلنا أشبه بالآلات. وأشارت إلى أن هذه الحيادية قد تكون أقسى من الظلم نفسه، خاصةً عندما تأتي من صديق أو قريب، مستشهدة بمثال الطبيب الذي لا يكفي أن يكون ماهرًا في التشخيص والعلاج، بل يجب أن يمتلك الإنسانية والقدرة على تخفيف الآلام النفسية للمريض.
واستكمالًا لهذا الطرح، أكدت الماستر اللايف كوتش فاطمة القماح أن ما نعتبره حيادًا قد يكون في الحقيقة تخليًا عن إنسانيتنا. فصمت الصديق في وجه الظلم، بحجة الحياد، قد يترك جرحًا أعمق من جرح الظالم نفسه. وشددت على أن العدل لا يقوم على العقل وحده، بل على توازن حكيم بين العقل والقلب.
هذا الحوار فتح الباب أمام سؤال أكثر تخصصًا طرحته الدكتورة إلهام: ماذا عن الحيادية في عالم الكوتشينغ؟
أجابت الماستر اللايف كوتش فاطمة القماح على هذا التساؤل بوضوح، موضحة أن الحيادية في الكوتشينغ هي قدرة الكوتش على الاستماع دون إصدار أحكام مسبقة، واحترام تجربة المستفيد. ولكنها ليست حيادية مفرطة تنكر العاطفة، بل هي توازن بين الاحترافية والمهنية والإنسانية.
واتفق معها الدكتور عبدالرحيم الدادسي، الذي أكد أن التوازن بين الحيادية والتعاطف ضروري، وأن تقنية “الاتصال والانفصال” هي أساسية في عملية الكوتشينغ. فالكوتش يجب أن يتصل بالمستفيد عاطفيًا ليفهم مشاعره، وفي الوقت نفسه ينفصل عنه ليحافظ على حياديته ويقدم له التوجيه الصحيح نحو الحل.
وقدّم راقم هذه الأحرف تلخيصا رائعًا لهذا التوازن، موضحًا أن الكوتش مطالب بـ**”حيادية إيجابية”** وليست سلبية. فالحيادية في التشخيص والتطبيق تمنح الكوتش بوصلة صحيحة، بينما يمنحه التعاطف الحقيقي الوقود اللازم للمضي قدمًا. هذا التوازن بين العقل (الحيادية) والقلب (التعاطف) هو جوهر العلاقة في الكوتشينغ، وبدونه تتحول الجلسة إلى مجرد عملية تقنية بلا روح.
كما أثنت الدكتورة جواهر من المغرب على أهمية هذا الموضوع، مؤكدة أن الحيادية المطلقة التي تحذر منها الدكتورة إلهام هي “تطرف” في التطبيق. وأوضحت الفرق بين الحيادية الإيجابية، التي تعني الموضوعية والإنصاف، والحيادية السلبية، التي تعني التجرد من الإنسانية والتعاطف. وأشارت إلى أن الكوتش المحترف هو من يجمع بين الاثنين، فيستمع بعقله وقلبه، ليُحدث التغيير العميق الذي يسعى إليه المستفيد.
بناءً على هذه المداخلات القيمة، يمكن القول إن الحيادية في الكوتشينغ ليست غيابًا للمشاعر، بل هي إدارة واعية لها. إنها القدرة على الفصل بين مشاعر الكوتش الشخصية ومشاعر المستفيد، مع إظهار تعاطف حقيقي يبني جسرًا من الثقة والأمان.
ختامًا، يجمع المشاركون في هذا الحوار على أن الكوتش الناجح هو ذلك الإنسان الذي لا ينجرف وراء العواطف، ولا يتجرد منها، بل يوازن بين عقلٍ يُحلل ويُوجه، وقلبٍ يتعاطف ويحتوي. وهذا المزيج الإنساني هو سر نجاح عملية الكوتشينغ وقدرتها على تحقيق تغيير إيجابي ومستدام.
بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي
حرر بتاريخ ٧ أغسطس ٢٠٢٥م
لا تعليق