《الجرأة الواعية فلسفة حياة نحو التغيير والإبداع》
بقلم د.منور عبدالرقيب الصنومي
قدم [الدكتور عبدالقادر العداقي] مفهوما عميقا للجرأة الواعية، متجاوزا الشجاعة السطحية ليغوص في فهم الإنسان لذاته وقدره وعلاقته بخالقه.
ليست الجرأة الواعية تهورا، بل هي انعكاس للثقة برحمة الله وحكمته، وثمرة للإيمان بأن الله قد وهب الإنسان عقلا وقرارا واختيارا.
هذا المنظور يقلب الفهم الشائع للقدر من كونه جمودا إلى قوة دافعة نحو العمل والتقدم، مؤكدا أن الرضا بالنتائج لا يعني التوقف، بل العمل المستمر لتحقيق الأفضل، وهذا هو التسليم الرباني.
♣︎الجرأة الواعية: مفتاح النجاح الفردي والمجتمعي
تعتبر الجرأة الواعية جزءا لا يتجزأ من حسن الظن بالله، والثقة بالقدرات الذاتية، والنظرة الإيجابية للحياة.
كما أنها لا تناقض التوكل، بل تعززه، فالمتوكل بصدق يكون أشجع في خطواته لإدراكه أن النتائج بيد الله.
يشير [الدكتور عبدالقادر العداقي] إلى أن الجرأة الواعية ضرورية لخوض غمار الحياة، مستشهدا بأبيات أبي الطيب المتنبي: “إذا غامرت في شرف مروم * فلا تقنع بما دون النجوم”.
هذه الأبيات تلخص فكرة أن طعم الموت واحد، سواء كان في أمر حقير أو عظيم، مما يدفع الإنسان للسعي نحو الأهداف النبيلة بدلاً من البقاء حبيس الخوف.
من جانبها، أضافت [الدكتورة أسماء الداوي] من المغرب، أن الجرأة الواعية تعني التحلي بالشجاعة في التعبير عن الذات واتخاذ القرارات، مع الوعي التام بالنتائج المحتملة والمسؤولية عن الأفعال.
وشددت على أنها مزيج من الشجاعة والعقلانية، وتكمن أهميتها في:
* تحقيق الأهداف: تمكن الفرد من المضي قدما نحو أهدافه رغم التحديات.
* تطوير الذات: تعزز الثقة بالنفس وتساعد على اكتشاف القدرات الكامنة.
* بناء علاقات أقوى: تساهم في بناء علاقات صحية ومثمرة من خلال التعبير الصادق.
* التغيير الإيجابي: تمكن من اتخاذ القرارات الصعبة وإحداث تغيير إيجابي في الحياة.
ولتحقيق الجرأة الواعية، أوضحت [الدكتورة أسماء] خطوات عملية تتضمن: تحديد المخاوف، التركيز على نقاط القوة، التدرب على التعبير عن الذات، اتخاذ القرارات، وقبول المخاطرة المحسوبة.
كما فرقت بوضوح بين الجرأة الواعية والتهور، مؤكدة أن الجرأة الواعية تتضمن التفكير والوعي بالنتائج قبل أي خطوة، بينما التهور هو التصرف باندفاع دون تفكير.
أبعاد أعمق للجرأة الواعية وتحدياتها
توسعت [الدكتورة جواهر] من المغرب، في مفهوم الجرأة الواعية، متسائلة عن تطبيقها على المستوى الجماعي والمجتمعي.
كيف يمكن للمجتمعات أن تتحلى بهذه الجرأة لمواجهة تحديات كبرى مثل الفقر والجهل والظلم؟ وأشارت إلى أن القيادة الواعية لا تعني فقط اتخاذ قرارات شجاعة، بل وعي القائد بتأثير هذه القرارات على الآخرين، وأهمية الشفافية في بناء ثقافة الجرأة داخل المؤسسات.
كما طرحت [الدكتورة جواهر] تحديات ومخاطر الجرأة الواعية، مثل التمييز بينها وبين التهور، وكيفية التعامل مع النتائج غير المرغوبة وتحويل الفشل إلى فرصة للتعلم.
وتساءلت أيضا عن كيفية الحفاظ على الجرأة في وجه الضغوط الخارجية، ومدى تطور هذا المفهوم مع المراحل العمرية المختلفة، مشيرة إلى أن الجرأة قد لا تكون ثابتة عبر الزمن. وتطرقت إلى أهمية الجرأة في طلب المساعدة والاعتراف بالخطأ، وتطبيق الجرأة الواعية في العلاقات الشخصية، الحياة المهنية، والإبداع.
تفاعلاً مع هذا الطرح، أشارت [الدكتورة فوزية الناصري] من المغرب إلى أن الإبداع غالبا ما يكون وليد الألم والحزن، وأن هذا قد لا ينطبق على من عاشوا في رفاهية ودلال، حيث تكون نفسيتهم أكثر هشاشة.
بينما الشخص الذي تعرض لتحديات في بيئة فقيرة أو متوسطة، تصبح نفسيته أكثر صلابة، مما يجعله يبدع عندما يتألم أو يتعرض لأزمة. وترى [الدكتورة فوزية] أن هذا الإبداع هو “جرأة واعية، اختيار وقرار في مواجهة قدر بكل ثقة وحسن ظن بالله ودون أي اعتراض على قدره”.
وفي الختام، أكدت [الدكتورة ليلي نهار] من الجزائر، أن بناء الكوتشينغ على مبدأ الوعي يرتبط بالجرأة التي تعني الشجاعة والإقدام.
وإذا أصبحت هذه الجرأة واعية، فستخلق المعجزات.
فالجرأة الواعية يغذيها الإيمان والاستمرارية والاجتهاد والالتزام، لأن صاحبها يمشي بخطى واثقة وواضحة، ويعرف ما يريد وإلى أين يصل. وبما أن الوعي درجات، فالجرأة أيضا درجات وعلى قدر الهمم تأتي القمم، حيث يحدد الوعي الأهداف وكيفية الوصول إليها، مما يجعل الرحلة ممتعة بلا حدود.
كما شددت على أن الجرأة دائما ما تكون مرافقة لمعية الله، لأن الله يحب السعي والاجتهاد، مستشهدا بالآية الكريمة “وقل اعملوا”.
تتسع الجرأة الواعية لتصبح قوة محركة على مستويات متعددة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات والتعقيدات التي قد تنشأ، مما يجعلها أكثر ثراءً وتطبيقا في جميع جوانب حياتنا ومجتمعاتنا.
هذا وقد أدلى [د.رشيد مورجاني] مداخلة ملهمة متحدثا عن الدكتور عبد القادر العداقي، خبير الكوتشينغ والتدريب، بأن ماقدمه من مفاهيم تنضح بالحكمة وتتمازج فيها أبعاد الروح والعقل، الدين والعلم، الواقع والمثال. ثم استطرد قائلا إسمح لي ولكل متمعن بالطواف بين ملكوت المعنى وممالك الإرادة.
فليس من الجرأة أن تثب في المجهول جزافا، ولا من التوكل أن تلقي بنفسك في مهاوي الاستسلام وتسمي ذلك رضا. ثم قال ما أروع ما نسج الدكتور العداقي حين حاك مفهوم “الجرأة الواعية” من خيوط التوحيد والمعرفة والتمكين، فكان نسيجا محكما يصلح لباسا للفكر والعمل، بل درعا للمؤمن الواثق، الراغب في أن يحيا حياة لا تؤخذ منه، بل يصنعها بيده ويصونها بقيمه.
في هذا المفهوم،حيث الإيمان بالله لا يلغي فاعلية الإنسان، بل يوقظها ويشحذها. فالقدر قوة دافعة لا قيد مانع. ومن لا يفهم القدر على هذا النحو، يعيش سجين التصورات الراكدة، لا تائها في دروب الحياة فحسب، بل في ظلمات فهمه لنفسه.
إن الجرأة الواعية كما رسمها الدكتور العداقي، ليست نزوة تهور، بل وعي إيماني عميق: أن الله لم يخلقك لتكون حجرا في ساحة، بل شعلة في موكب الحياة، تمشي بإرادتك في طريق هو مرسوم لك، نعم، لكنه مرسوم لك لا عليك.
“القدر لا يعني الجمود” عبارة ينبغي أن تحفر في وجدان كل من ظن أن الرضا معناه القعود. الرضا الحق أن تقبل الابتلاء وتحتضن التجربة ثم تنهض لتصوغ منها إرادتك. وهل بعث الله في الإنسان “العقل” و”الاختيار” ليجعل منه تمثالا !؟ أم خلقه ليكون مظهرا من مظاهر “كن فيكون” !؟
إن الإنسان الذي لا يغامر لا يستحق حريته، ومن لا يملك الجرأة أن يخطو نحو مصيره فلن يصنع تاريخه، وسيكتب عليه أن يكون هامشا في سجل الحياة.
أبيات المتنبي ليست إلا زغرودة الشجعان في وجه المجهول:
إذا غامرت في شرف مروم،
فلا تقنع بما دون النجومِ
فطعم الموت في أمر حقير،
كطعم الموت في أمر عظيم
هكذا يتلاقى الأدب بالشجاعة، والإيمان بالفعل، والعقل بالاختيار، والقدر بالمسؤولية.
إن الكوتشينغ هنا ليس تقنية ولا أداة مهنية فحسب، بل رسالة تحرير وتنوير. تحرير من أغلال التصورات السلبية، وتنوير لمساحات الذات المنسية. فالإنسان الذي يعيش في منطقة راحته، كما أشار الدكتور العداقي، هو ميت يتنفس، وجثة فكرية ملفوفة بأكفان الخوف.
والأمن لا يكون في السكون، بل في الحركة نحو الحق، في التحول من حالة إلى أخرى، من غفلة إلى وعي، من تردد إلى شجاعة، ومن جمود إلى إقدام.
لا تخف، فـ”الجرأة الواعية” هي الترجمة الواقعية لحسن الظن بالله، وللثقة بما أودعه الله فيك. فإذا كنت تجهل ما فيك، فإن أول جرأة يجب أن تقدم عليها هي أن تكتشف كنوز ذاتك، وتغوص في أعماقك لتستخرج معنى الحياة فيك، لا من حولك فقط.
ختاما، أيها السائر في درب الرسالة، لا تكن من أولئك الذين عاشوا في الخوف وماتوا في الصمت، بل كن ممن أيقظوا الحياة بمعناهم، وسجلوا على دفاتر الأيام أنهم مروا هنا، وأنهم كانوا أحياء. فقم، وانهض،وتجرأ، واذكر أنك لم تخلق لتكون “لاشيء”،بل لتكون “الشيء” الذي يجعل من الحياة رسالة وعظمة وأثرا.فالجرأة الواعية… هي الصلاة العملية لعقل آمن، وقلب واثق، وروح متصلة بالله.
حرر٣صفر١٤٤٧هجرية الموافق ٢٨يوليو ٢٠٢٥م
لا تعليق