### **التفاحة التي في الأعلى: هل يكفي الحب لبناء زواج مستقر؟ حوار حول الكرامة والاختيار والتوافق الفكري**
**بقلم: د. منور عبدالرقيب الصنومي**
**حرر بتاريخ: ٩ صفر ١٤٤٧هـ الموافق ٣ أغسطس ٢٠٢٥م**
في فضاء أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA)، دار حوار فكري عميق وماتع، شارك فيه نخبة من الخبراء والمستشارين من مختلف الدول العربية. انطلق النقاش من استعارة بليغة طرحها **الدكتور عبدالقادر العداقي**، مؤسس الأكاديمية، حيث شبه المرأة الأصيلة بـ “تفاحة في أعلى الشجرة، لا ينالها إلا كل مجتهد أصيل”، بينما يميل بعض الرجال إلى “التفاحة الساقطة على الأرض” خوفًا من الفشل أو تجنبًا للجهد.
هذه الصورة المجازية فتحت الباب واسعًا أمام نقاش متعدد الزوايا حول قيمة المرأة، وديناميكيات الاختيار في الزواج، ومسؤولية كل من الرجل والمرأة في بناء علاقة سوية.
**المرأة بين الكرامة والمبادرة: تفاحة تنتظر أم شريكة تختار؟**
أثارت الاستعارة سؤالًا جوهريًا طرحته **الدكتورة إلهام من المغرب**: “هل يجب على المرأة أن تبقى فقط تفاحة في أعلى الشجرة تنتظر من يقطفها؟ أم من حقها البحث عن زوج؟”.
تباينت الآراء وتكاملت لترسم صورة شاملة. **الماستر اللايف كوتش د. صباح المنصوري من تونس** أكدت على أن مكانة المرأة العالية تكمن في عفتها وكرامتها، مشيرة إلى أن “سيكولوجيا الرجل تجعله صيادًا بطبعه، ولا تستميله المرأة التي تركض وراءه”. ورأت أن المسألة ليست من يقطف من، بل كيفية الحفاظ على النقاء في زمن اختلت فيه الموازين.
من جانبها، قدمت **اللايف كوتش ماريا تيجه مبارك المرابطي من المغرب** رؤية تدعو للتوازن، قائلة: “ليس على المرأة أن تبقى تفاحة سلبية تنتظر القطف فقط… التوازن بين الحفاظ على القيمة (الارتفاع) والمبادرة الواعية هو الأصح”.
هذا الرأي دعمته **الدكتورة فوزية الناصري من المغرب**، التي اعتبرت أن النص الأصلي هو “تشريف للمرأة”، مستشهدة بالسيدة خديجة رضي الله عنها “كأسوة حسنة حين اختارت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم”. وأكدت أن المرأة يمكنها أن تختار وهي في مكانتها العالية دون أن ينتقص ذلك من قيمتها.
**الدكتورة بشرى علمي** فصلت في المسألة من منظور ديني وإنساني، موضحة أنه “لا يوجد أي نص يُحرِّم على المرأة أن تبحث عن زوج”، وأن الزواج شراكة وليس مزادًا.
**تحليل نفسي واجتماعي للاستعارة**
قدم **الدكتور رشيد مورجاني من المغرب** تحليلًا شاملاً للاستعارة، واصفا إياها بأنها “صورة مجازية زاخرة بالدلالات”. وأوضح أن اختيار بعض الرجال للتفاحة الساقطة يعكس “عقدة عدم الاستحقاق النفسي” والخوف من الفشل، بينما قد تعاني المرأة الأصيلة من “التشكيك في الجدارة الذاتية” حين تطول بها العزلة.
**الدكتورة جواهر من المغرب** أضافت بعدا نقديا مهما، حيث حذرت من أن هذه الاستعارة “قد تشجع بعض النساء على الوقوع في فخ الغرور أو الشعور بالتفوق”، مما قد يؤدي بهن إلى العزلة. وأكدت أن العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا وتعتمد على التوافق الفكري والعاطفي.
**التوافق الفكري: حجر الزاوية المنسي**
أخذ الحوار منحى أكثر عمقا عندما تحول التركيز نحو أسس استقرار الزواج. **الدكتورة أسماء الداوي من المغرب** سلطت الضوء على أهمية الاحترام المتبادل كقاعدة أساسية، مشيرة إلى أن غيابه من أي طرف يؤدي إلى تفكك العلاقة.
وهنا، طرح **الدكتور عبدالقادر العداقي** مفهوما محوريا، مؤكدا أن **التوافق الفكري** هو “ميزان الاستقرار وراحة البال والأمان”. وأوضح أن الانسحاب من علاقة بسبب غياب هذا التوافق هو “قرار منطقي نابع من العقل” وليس هروبا. وشدد على أن “أفضل أنواع الحب هو ما كان مصدره عقليا، فالحب العقلي يولد الحب العاطفي الأبدي، لكن الحب العاطفي لا يولد بالضرورة حبًا عقليًا”.
هذه النقطة أثارت نقاشًا ثريًا، خاصة بعد أن شاركت **الدكتورة إلهام** دراسة حديثة تشير إلى أن “عدم التوافق النفسي” هو السبب الأول للطلاق في السنوات الخمس الأولى للزواج في العالم العربي.
وفي تعقيبه، أوضح **الدكتور العداقي** أن التوافق النفسي، رغم أهميته، غالبا ما يكون نتيجة أو عرضا. وأوضح قائلًا: “قد يكون التوافق النفسي دافعا أوليا، ولكن مع مرور الوقت، يبدأ غياب التوافق الفكري في إظهار أثره… فيتراكم الضغط النفسي الذي يؤدي إلى الانفصال”. فالاختلاف في القيم والأهداف والنظرة للحياة هو ما يولد الصراع الذي يهدم التوافق النفسي.
**خلاصة الحوار**
انتهى هذا الحوار الفكري إلى مجموعة من الخلاصات القيمة التي عبر عنها المشاركون بامتنان، حيث شكر كل من **الماستر كوتش د. صباح المنصوري** و**الكوتش سيرين من لبنان** الدكتور العداقي على إدارته لهذا النقاش المثمر.
لقد أجمع المشاركون، ومن بينهم **رآقم هذه الأحرف** الذي أكد على دور المستشار المحايد، على أن المرأة كالتفاحة الثمينة، قيمتها في أصالتها وكرامتها. لكن هذه القيمة لا تعني السلبية والانتظار، بل تمنحها الحق في المبادرة الواعية والاختيار الحكيم. والأهم من ذلك كله، أن نجاح الزواج واستقراره لا يعتمد على قوة الحب العاطفي وحده، بل يرتكز بشكل أساسي على أساس صلب من **التوافق الفكري** الذي يضمن السكينة والمودة والاحترام على المدى الطويل.
إن هذا النقاش الراقي يعكس وعيا متزايدا بضرورة بناء الزواج على أسس عقلانية وواقعية، تتجاوز العواطف السطحية لتصل إلى جوهر الشراكة الإنسانية الحقيقية.
لا تعليق