[قيمة الاهتمام المتبادل والتوافق الفكري في بناء الأسرة: رؤى من الأكاديمية الدولية AIA]

بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير المفاهيم يظل بناء الأسرة المتينة حجر الزاوية للمجتمعات.

وقد شهدت قبل قليل قاعة الأكاديمية الدولية AIA قسم DMES نقاشا معمقا حول ركائز الحياة الزوجية السعيدة والمستقرة انطلق من مقولة (للدكتورة جواهر من المغرب) حول قيمة الاهتمام المتبادل ليتطور إلى حوار ثري حول أهمية التوافق الفكري بمشاركة المدربين الدوليين.

○الاهتمام المتبادل: استثمار في الحب لا ضعف في القيمة

بدأت (الدكتورة جواهر) الطرح بالتأكيد على أن اهتمام الزوجة بزوجها ليس انتقاصا من قيمتها بل هو استثمار حقيقي في العلاقة.

فالاهتمام كما هو الحال في تجارب أمهاتنا وجداتنا هو أساس لبناء أسرة قوية حيث يزيد المرأة رفعة في عين زوجها ويجعلها تتوج ملكة على عرش قلبه.

هذا الاهتمام ليس طريقا ذا اتجاه واحد بل هو تبادل إيجابي يولد دورة من الحب والتقدير فكلما شعرت الزوجة بأن اهتمامها يقدَّر، زادت حبا وعطاء ما يجعل الحياة الزوجية أكثر سعادة واستقرارا.

○التوافق الفكري: جسر السكينة والمودة

أثنى (المدرب الدولي الدكتور عبدالقادر العداقي خبير الكوتشينغ) على هذا الطرح مؤكدا على وجود قاعدة أساسية في الزواج سماها [“ثلاثية التوافقية”] يأتي على رأسها التوافق الفكري.

يرى (الدكتور العداقي) أن كثيرا من الناس يستهينون بهذا المفهوم ويعتقدون أن الحب أو الانجذاب الشكلي كاف لكن الحقيقة أن عدم التوافق الفكري يولد صراعا وتصادما رهيبا بعد الزواج.

فالتوافق الفكري هو الجسر الذي يولد أهم عنصر في الزواج وهو الراحة النفسية والأمان والطمأنينة.

ويوضح (الدكتور العداقي) أن التوافق الفكري لا يعني فقط تطابق الدين أو الجنسية بل هو توافق في طريقة التفكير والنظرة للحياة وأدوار كل من الزوجين.

وأكد أن أكبر خطأ يرتكبه المرء هو الزواج ممن يوجد بينهما تنافر فكري كبير لأن هذا التنافر يطفئ شرارة الحب ويولد البعد.

○بين التوافق والتطابق: حوار بناء لا إلغاء للذات

أوضحت (الدكتورة إلهام من المغرب) أن التوافق الفكري لا يعني “التطابق الفكري” بشكل كامل.

بل هو انسجام في القيم والمبادئ الأساسية مع وجود القدرة على الحوار وفهم وجهة نظر الآخر بشكلٍ إيجابي حتى عند الاختلاف.

وأضافت أن القابلية لتغيير الرأي إذا ثبتت صحة رأي الطرف الآخر هي جزء من هذا التوافق.

التوافق الفكري في ضوء علم النفس والكوتشينغ والمرجعية الإسلامية

ساهم (الدكتور رشيد مورجاني من المغرب) مستعرضا أهمية التوافق الفكري من ثلاثة أبعاد متكاملة:

* علم النفس: يرى أن الراحة النفسية لا تتحقق فقط بالمحبة بل بالتفاهم الناتج عن تقارب نمط التفكير.

وقد يؤدي الزواج غير المتوافق فكريا إلى “الاحتراق النفسي” و”الطلاق الصامت”.

* الكوتشينغ الأسري: يركز على أن الأفكار هي المصدر الأصلي لتجربتنا وأن الحب مادة قابلة للاشتعال تحتاج إلى حاوية فكرية متوافقة كي لا يتحول إلى صراعات.

وينصح بالتركيز على “القيم المشتركة” كأحد تقنيات الكوتشينغ.

* المرجعية الإسلامية: يرى أن الإسلام قدم مفهوما متقدما في قوله تعالى: “لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة” فالسكن لا يتحقق إلا بالطمأنينة الفكرية والنفسية.

وأشار إلى أن السنة النبوية تدعو للزواج ممن “ترضون دينه وخلقه” وهي منظومة فكر وسلوك.

ونصح (الدكتور مورجاني) المقبلين على الزواج بمناقشة الأفكار الأساسية للحياة بشجاعة قبل الارتباط وعدم الانخداع بالمظاهر والتحقق من أنماط التفكير وقت الخلاف لا وقت الانسجام فقط.

○تصحيح المفاهيم: الآية القرآنية وسياقها

أثار (الدكتور عبدالقادر العداقي) قضية هامة تتعلق ببعض المفاهيم الخاطئة وخاصة في تفسير الآية القرآنية: “الخبيثات للخبيثينَ والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات”.

وأوضح أن التفسير الشائع بأن “الطيب يتزوج الطيبة” هو تبسيط سطحي لا يتوافق مع السياق القرآني الذي جاء في سورة النور في سياق حادثة الإفك.

الآية، كما أوضح (الدكتور العداقي) هي براءة للسيدة عائشة -رضي الله عنها- من اتهامات الخبيثين، وتأكيد على أن القول الطيب لا يصدر إلا من الطيبين.

وهذا التفسير المغلوط للآية مثال على المفاهيم الشائعة غير الصحيحة التي يجب تصحيحها وهو ما تسعى إليه الأكاديمية الدولية AIA من خلال برامجها التدريبية.

○التوافق الفكري في الحياة الواقعية

قدمت (الماستر لايف كوتش الدكتورة صباح المنصوري من تونس) مثالا واقعيا عن زوجين حاصلين على شهادات جامعية ولكنهما يعانيان من صراع داخلي بسبب عدم التوافق الفكري أحدهما مهتم بالرياضة والآخر بالأدب والفلسفة. هذا التنافر الفكري أدى إلى نفور وملل وانتقل أثره السلبي للأبناء.

وهذا يؤكد أن التوافق الفكري ليس له علاقة بالمستوى الدراسي بل هو أساس الزواج السعيد.

وأكدت أن طبيعة المرأة لم تُخلق للشقاء وأن دورها كأم يجب ألا يتأثر.

وأشارت إلى أن تبني الحقيقة بوضوح حول أدوار الزوجين يقلل من النِدِّيَة ويجعل المرأة تبذل مجهودها الإضافي كنوع من النضال من أجل أسرتها.

○خلاصة النقاش

خلص النقاش إلى أن الأسرة السعيدة والمتوازنة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الاهتمام المتبادل كاستثمار في العلاقة والتوافق الفكري كجسر للراحة النفسية والأمان.

وأن هذين المفهومين لا يعنيان التطابق أو إلغاء الذات بل يمثلان شراكة واعية وحبا عميقا. وشدد المشاركون على ضرورة تصحيح المفاهيم الخاطئة والسائدة والاستناد إلى الفهم الصحيح للنصوص الدينية والتحقق من التوافق الفكري قبل الارتباط.

حرر٣صفر١٤٤٧هجرية الموافق ٣٠يوليو٢٠٢٥م

 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *