“جروح الطفولة” ومستقبل الأسر: رحلة نحو الوعي والتشافي
بقلم د.منور عبدالرقيب الصنومي
حرر بتاريخ: ١٦ صفر ١٤٤٧هجرية، الموافق ١٠ أغسطس ٢٠٢٥م
في نقاش ثري دار بين نخبة من الخبراء في الأكاديمية الدولية الدكتور عبدالقادر العداقي (AIA)، قسمDFMC تم تسليط الضوء على قضية بالغة الأهمية تؤثر بعمق على بنية المجتمع: “جروح الطفولة”. انطلق الحوار من مثال واقعي طرحه الدكتور عبدالقادر العداقي عن تدخل عائلة الزوجة في نزاع زوجي، مما أدى إلى الاعتداء على الزوج جسديا. هذا الموقف، الذي قد يبدو للبعض مجرد خلاف عائلي، تم تحليله بعمق كنموذج للتربية الخاطئة والمفاهيم المشوهة حول الحماية الأسرية.
أشار الدكتور عبدالقادر العداقي في مداخلاته إلى أن الكثير من المشكلات الأسرية والزوجية، وحتى سمات الشخصية، تعود جذورها إلى طفولة الفرد، وخاصة الجروح المتعلقة بالأب والأم. هذه الجروح ليست حكرًا على من عانوا من القسوة أو الإهمال، بل قد تنشأ أيضا من الدلال المفرط، أو الحماية الزائدة، أو التربية غير المتوازنة.
التدخل السلبي للأهل: هل هو حماية أم هدم؟
تطرقت الدكتورة فضيلة من الجزائر إلى أن الحماية الحقيقية تكون بالنصح الحكيم، لا بالتشجيع على السيطرة أو تحويل الخلافات الزوجية إلى صراع عائلات. وأكدت على أهمية بناء العلاقة الزوجية على المودة والاحترام المتبادل منذ الصغر. وفي شهادة مؤثرة، روت تجربتها الخاصة في اختيار الزوج بناءً على نصيحة حكيمة: “اختاري من يحب أمه وله علاقة سوية مع أخواته”، لافتة إلى أن احترام الرجل للمرأة يبدأ من بيئته الأسرية.
في المقابل، طرحت الدكتورة إلهام من المغرب سؤالًا جوهريًا حول كيفية احتواء رغبة الأهل في التدخل وبناء علاقة صحية ومتوازنة معهم، بينما شددت الدكتورة أسماء الداوي من المغرب على أهمية أن يدرك الآباء تأثير سلوكياتهم على نمو أطفالهم بشكل صحي.
جرح الأم: أنواع وتأثيرات
تناول المشاركون مفهوم “جرح الأم” بتعمق، حيث أوضح د.الصنومي أنه ليس مجرد ألم عاطفي، بل مجموعة من الأنماط السلوكية والمعتقدات السلبية التي يكتسبها الفرد من علاقته بوالدته. وقد تتجلى هذه الجروح في صور متعددة، مثل:
* الاعتماد المفرط على الأم: مما يضعف شخصية الفرد وقدرته على اتخاذ قراراته.
* السيطرة المفرطة: التي قد تمنع الفتاة من اختيار شريك حياتها، أو تجعلها تعتقد أن لا أحد يستحقها.
* المقارنة السلبية: التي تزرع بذور عدم الثقة بالنفس في الأبناء.
من جهتها، قدمت اللايف كوتش خديجة من المغرب تحليلا دقيقا لدور الأم المتسلطة في “التربية المعكوسة”، حيث تمنح الابن قيمة “الرجولة” من منظورها الخاطئ، فينشأ مدللا وضعيفًا، بينما تمنح البنت استحقاقا متدنيا، فتكبر مع “عقدة الذكورة” لتثبت وجودها.
التصالح مع الذات: بداية العلاج
أكدت الماستر لايف كوتش د. صباح المنصوري من تونس أن جروح وصدمات الطفولة هي أساس الكثير من المشاكل السلوكية والنفسية، وقدمت قصة حقيقية حدثت معها وهي قصة مؤثرة لامرأة عانت من العنف في طفولتها، وكيف أن هذا الجرح قادها إلى اختيار زواج فاشل، مما يدل على أن الألم الذي لم يتم علاجه يستمر في التأثير على حياتنا.
كما أشارت الدكتورة جواهر من المغرب إلى أن مثل هذه المواقف تعكس انهيار الحدود الزوجية، ودعت الأسر إلى أن تكون مصدرًا للحكمة والدعم، لا قوة ضاربة.
نحو حلول عملية: تأهيل المقبلين على الزواج
في ختام النقاش، طرح الدكتور إبراهيم من المغرب فكرة “رخصة الزواج” التي تضمن تأهيل الزوجين لدخول هذه المرحلة بوعي واستقرار نفسي. واستكملت الدكتورة أنوار الربيعي من العراق هذا الطرح، مشيرة إلى أن هناك مطالبات برلمانية في العراق بتطبيق دورات تأهيلية إلزامية قبل الزواج، مما يطرح تساؤلات حول جدوى مثل هذه الدورات ومدى فعاليتها في ظل التحديات الاجتماعية القائمة.
وفي سؤال عملي، تساءلت الدكتورة إلهام عن كيفية التمييز بين المشاكل الزوجية العادية التي تحتاج إلى توجيه، والمشاكل الناتجة عن اضطرابات نفسية تحتاج إلى علاج متخصص.
إن هذا الحوار، الذي شارك فيه كل من د. عبدالقادر العداقي، د. وسام، د. نضال، د. فضيلة، د. إبراهيم، د. إلهام، د. أسماء، اللايف كوتش د. خديجة، ود.الصنومي ، د. جواهر، والماستر لايف كوتش د. صباح، والدكتورة أنوار الربيعي، يفتح آفاقًا واسعة لفهم أعمق لجذور المشكلات الأسرية ويوفر خارطة طريق نحو الوعي والتشافي من جروح الماضي.
وفي إطار الرؤية النفسية التي قدمها الدكتور عبد القادر العداقي حول تأثير جراح الأم على الفرد،
يرى أن جراح الطفولة، خاصة تلك المرتبطة بالأم، هي أصل المشكلات اللاحقة. وقد أكدت الدكتورة جواهر من المغرب أن هذا الطرح يستند إلى فكرة أن هذه الجراح لا تقتصر على القسوة والحرمان فحسب، بل تمتد لتشمل التربية غير المتوازنة كالدلال المفرط والحماية الزائدة. هذا التوسيع لمفهوم الجرح يفتح آفاقا أوسع لفهم كيفية تشكل العقد النفسية، وهو ما يتوافق مع النظريات الحديثة في علم النفس.
كما أن دعوة الدكتور إلى الوعي والتصالح مع الذات تضع مسؤولية الشفاء على عاتق الفرد، مما يمنحه الأمل والإرادة للتغيير بدلا من الاستسلام لدور الضحية.
وفي سياق متصل، أضافت الدكتورة جواهر والدكتورة إلهام منصوري أن فهم هذه الجراح ضروري للتعامل مع تحديات الحياة الزوجية، خاصة التدخلات الأسرية. وأوضحتا أن التعامل مع رغبة الأهل في المساعدة والتدخل يتطلب ذكاءً عاطفيا ومهارات تواصل قوية، مع التأكيد على ضرورة وضع حدود واضحة ومحترمة، والتواصل بهدوء، والعمل كفريق واحد بين الزوجين. كما أشارت الدكتورة إلهام إلى أهمية فهم أسباب رغبة الأهل في التدخل، والتي قد تكون ناتجة عن الخوف أو قلة الثقة أو الحاجة إلى الاهتمام. وأضافت الدكتورة جواهر أن هذا التدخل قد ينبع أيضًا من رغبة الأهل في إثبات وجودهم وأهميتهم في حياة أبنائهم.
كما أضافت الدكتورة إلهام أن بناء علاقة صحية مع الأهل يتم بشكل تدريجي، من خلال إظهار القدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات الأسرية بشكل سليم، مع التأكيد على أن الأهل يجب أن يكونوا مرجعا داعما وليس سلطة عليا.
من جهة أخرى، ركزت الدكتورة سارة العرب من لبنان على أن التربية هي قدوة وليست تلقينا، وأن ما يراه الطفل من سلوكيات والديه يترسخ في ذهنه ويؤثر في بناء شخصيته. وأشارت إلى أن التصرفات الخاطئة كالعصبية والكذب تترك آثارا نفسية عميقة، مؤكدة أن الأهل هم النموذج الذي يحتذيه الأطفال في سلوكياتهم وعلاقاتهم المستقبلية.
وفي ختام هذا الحوار، رأت الدكتورة فضيلة من الجزائر أن هذه الدورات واللقاءات التوعوية أصبحت ضرورة ملحة، خاصة في السنوات الأولى من الحياة الزوجية التي تعتبر مرحلة حساسة.
الرسالة الأساسية التي تضمنها هذا الحوار لا تكمن في الإشارة إلى المشكلات فقط، بل تفتح باب الوعي لمن أراد أن يفهم ويشفي جراحه. فالتعافي ممكن، ورحلة الشفاء تبدأ بالوعي والتصالح، وهو ما يمنح الأفراد أملا ومفتاحا لتغيير واقعهم نحو الأفضل.
((أتمنى للقارئ الكريم رحلة ممتعة في طريق التغيير
وإلى اللقاء مع مقاله أخرى فالحياة رحلة من التطور المستمر.))
لا تعليق