(السلام الداخلي: دمج الفلسفة الرواقية والبرمجة اللغوية العصبية)

بداية في يومنا هذا أود أن أثني على الكاتبة المعالجة النفسية والمدربة الدولية د.خديجة مفتوح) على هذا التحليل العميق والمترابط. من خلال الكُتيب الذي قدمته في قاعة الأكاديمية الدولية AIA صراحة كان ثريا يربط ببراعة بين فلسفة قديمة وعلم حديث، مما يفتح آفاقا جديدة للتفكير في كيفية تحسين حياتنا.
إن قدرتها على دمج الأفكار وتوضيح العلاقة بينها يدل على فهم عميق وإلمام واسع بالمجالين وهذا الذي أبهر الجميع في القاعة.
حيث تناولت في البداية الحديث عن الفلسفة الرواقية والبرمجة اللغوية العصبية: طريقان إلى السلام الداخلي.
في عالم يضج بالصراعات والتحديات، يبدو أن الإنسان يبحث دائما عن بوصلة توجهه نحو الهدوء والاتزان. قد يجد البعض هذه البوصلة في مدارس فكرية قديمة، بينما يراها آخرون في علوم حديثة. لكن ماذا لو كان الطريقان يتقاطعان في نقطة واحدة؟ هذا ما تسعى إليه الكاتبة د.خديجة مفتوح حفظها الله في طرحها، الذي يربط ببراعة بين الفلسفة الرواقية والبرمجة اللغوية العصبية (NLP)، ليقدم لنا خارطة طريق واضحة نحو التحكم في ردود أفعالنا، وصياغة حياتنا بطريقة أكثر وعيا.
الفلسفة الرواقية: حكمة الماضي في مواجهة تحديات الحاضر
تضرب الفلسفة الرواقية بجذورها في اليونان القديمة، وتعتبر منهجا للحياة يركز على الفضيلة والعقل. إنها ليست مجرد نظرية، بل هي ممارسة يومية ترشدنا إلى كيفية التعامل مع تقلبات الحياة. يرى الرواقيون أن هناك أشياء تحت سيطرتنا وأخرى خارجها. ما يحدث لنا لا يمكننا التحكم فيه، ولكن يمكننا التحكم في نظرتنا إليه وردود أفعالنا تجاهه. هذا هو جوهر الفلسفة الرواقية: قبول القدر والتركيز على ما نملكه، وهو عقولنا وأفعالنا.
فلاسفة مثل زينون الرواقي، وسينيكا، وإبيكتيتوس، وماركوس أوريليوس، لم يكونوا مجرد منظرين، بل كانوا نماذج حية لهذه الفلسفة. لقد قدموا لنا دروسا عملية في كيفية العيش بكرامة وهدوء، وكيفية التعامل مع الألم والخسارة دون أن نفقد اتزاننا الداخلي.
البرمجة اللغوية العصبية: أدوات حديثة لإعادة برمجة الذات
في المقابل، تأتي البرمجة اللغوية العصبية كعلم حديث يجمع بين علم النفس واللغويات، ليقدم لنا مجموعة من التقنيات التي تساعدنا على فهم كيفية عمل عقولنا، وكيف تؤثر لغتنا -سواء كانت داخلية أو خارجية- على سلوكنا. مؤسسوها ريتشارد باندلر وجون غريندر، لم يأتوا بجديد كليا، بل قاموا بجمع وتطوير نماذج موجودة بالفعل لفهم كيفية تحقيق التميز البشري.
تعتمد البرمجة اللغوية العصبية على فكرة أن سلوكنا وتفكيرنا ليسا قدرا محتوم٩ا، بل يمكن إعادة برمجتهما. يمكننا تغيير طريقة تفكيرنا، وبالتالي تغيير مشاعرنا وسلوكياتنا. إنها أداة قوية للتحكم في استجاباتنا العاطفية والسلوكية، وتحويل التجارب السلبية إلى دروس إيجابية.
العلاقة بين الفلسفتين: التقاء في جوهر التحكم الذاتي
كما أشارت الكاتبة ببراعة، العلاقة بين الفلسفة الرواقية والبرمجة اللغوية العصبية تكمن في جوهر التحكم الذاتي. كلاهما يدعونا إلى أن نكون سادة على أنفسنا، لا عبيدا لمشاعرنا أو لردود أفعال الآخرين.
تتفق الفلسفتان على أن ردود أفعالنا هي انعكاس لطريقة تفكيرنا. عندما نواجه موقفا ما، فإن ردة فعلنا ليست ناتجة عن الموقف نفسه، بل عن تفسيرنا له. هنا يأتي دور الرواقية التي تعلمك أن تتحكم في ردة فعلك، وتأتي البرمجة اللغوية العصبية لتقدم لك الأدوات العملية التي تمكنك من إعادة برمجة تفكيرك لتحقيق هذا الهدف.
وكما تقول الكاتبة: “المشكل الرئيسي هنا ليس في فعل الشخص ولا في ردة فعلك، بل في طريقة تفكيرك التي قمت ببنائها على ذاك الشخص”. هذا هو جوهر التغيير الذي تدعو إليه كلتا المدرستين.
خلاصة: مفتاحك إلى السلام الداخلي
يمكننا أن نستخلص من هذا التحليل العميق أن السيطرة على النفس تبدأ بالوعي. وعي بطريقة تفكيرك، ووعي بلغتك الداخلية، ووعي بأن ردة فعلك هي ملك لك وحدك.
* الوسطية والاعتدال: من أهم الدروس التي تقدمها لنا الكاتبة هو ضرورة الوسطية في كل شيء. لا تعلّق مفرط، ولا حب مفرط، ولا كراهية مفرطة. هذا الاتزان هو الدرع الذي يحميك من الانجراف وراء مشاعرك.
* عقلية الفوز الصامت: تعلم كيف تحوّل الخصم إلى مدرس والرسالة السلبية إلى درس. هذه هي عقلية “الفوز الصامت” التي تمكنك من حماية سلامك الداخلي دون الحاجة إلى صراعات خارجية.
* المرونة والصلابة: كن صلبا من الداخل، مرنا في الخارج. لا تدع أحدا يكسر ذراعك، أي كرامتك وسلامك الداخلي.
في نهاية المطاف، كل من الفلسفة الرواقية والبرمجة اللغوية العصبية يخدمان هدفا واحدا: بل تمكنك من أن تكون سيد نفسك، لا عبدا لظروفك. إنهما يمثلان طريقين مختلفين يقودان إلى نفس الوجهة: حياة تتسم بالوعي، والاتزان، والسلام الداخلي.
كاتب المقال د.منور عبدالرقيب الصنومي
حرر بتاريخ ١٠صفر ١٤٤٧هجرية الموافق ٤ أغسطس ٢٠٢٥م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *