الزواج ليس فقط “أحبك”: هل يكفي الحب وحده لاستمرار العلاقة؟
دار في قاعة قسم DFMC بأكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية حوار ثري وملهم حول لبنات بناء زواج صحي ومستدام، انطلاقا من سؤال محوري طرحته الماستر لايف كوتش د. فاطمة القماح وايضا من خلال مداخلة صوتية مباشر من د. مها من لبنان: هل الحب وحده يكفي لاستمرار العلاقة الزوجية، أم أن الاحترام والالتزام والمشاركة أهم من الحب؟
في هذا النقاش العميق، شاركت نخبة من الخبراء آرائهم وتجاربهم، مقدمين رؤى قيمة حول طبيعة الزواج ودوره في حياة الأفراد.
هل الحب يتلاشى أم يتغير؟
قدمت الدكتورة جواهر من المغرب إجابة مفصلة لهذا التساؤل، موضحة أن الحب لا يتلاشى بعد الزواج بقدر ما تتغير طبيعته. فالحب الذي يسبق الزواج غالبًا ما يكون مثاليًا ودافعًا بالشغف والغموض، بعيدًا عن تحديات الحياة الواقعية. لكن الزواج يضع هذا الحب في اختبار حقيقي، حيث يتحول من شغف عاطفي إلى حب ناضج وعميق، مبني على التضحية والاحترام المتبادل.
وأضافت أن الحب الذي يستمر في الزواج هو الذي ينجح في تجاوز اختبارات الواقع، ويتحول إلى “مودة ورحمة” وعمل مشترك لتجاوز الصعاب، بينما الحب الذي يستمر خارج إطار الزواج قد يكون أقرب إلى شغف رومانسي لم يواجه تحديات الواقع اليومي.
أركان الزواج المتين: ما الذي نحتاجه بجانب الحب؟
اتفق المشاركون على أن الحب، على الرغم من كونه ضروريًا كشرارة للبداية، إلا أنه ليس كافيًا وحده لإبقاء العلاقة متماسكة. فالزواج بناء معقد يتطلب أسسًا قوية ليدوم ويصمد أمام تحديات الحياة.
وأوضحت الدكتورة جواهر أن هذه الأسس تشمل:
* الاحترام المتبادل: تقدير آراء الشريك وأحلامه وحدوده الشخصية.
* التواصل الفعال: فتح قنوات للحوار الصادق للتعبير عن المشاعر والمخاوف.
* الثقة: أساس بناء علاقة صحية وسليمة.
* التسامح والمغفرة: لتجاوز الأخطاء والعثرات.
* التفاهم والمرونة: للتكيف مع تغيرات الحياة ومواجهة التحديات معًا.
كما أضافت أن الدعم المتبادل، وتقدير الذات المشترك، ووجود اهتمامات مشتركة كلها عوامل تعزز هذا الرباط المقدس.
فن الإشباع العاطفي: كيف نحمي علاقاتنا من الفتور؟
تناولت الدكتورة إلهام المنصوري من المغرب فكرة “الإشباع العاطفي”، مشيرة إلى أن كثيرين يربطونه بخطر الملل أو يخلطون بينه وبين الإفراط. وأوضحت أن الإشباع هو “حالة من الرضا يشعر بها الفرد في علاقته مع شخص آخر”، وأنه يشمل جوانب متعددة مثل الجانب العاطفي، الجسدي، الروحاني، والفكري.
واستعرضت بعض النظريات النفسية التي اهتمت بهذا المفهوم، مثل نظرية التبادل الاجتماعي لجورج هومانز، ونظرية الحاجات الشخصية لماسلو، ونظرية الذات لكارل روجرز.
كما أضافت الدكتورة أسماء الداوي من المغرب أن الإشباع العاطفي هو “حالة الرضا والارتواء التي يشعر بها كل من الزوجين من خلال الحب، والمودة، والرحمة، والاحترام المتبادل، والتواصل الفعال، والشعور بالأمان”.
وأكدت الدكتورة جواهر أن الفتور العاطفي ليس قدرًا محتومًا، بل هو دعوة للعمل. وشددت على أن الزوجين يملكان “منبهًا سحريًا” يمكن ضبطه لإيقاظهما قبل أن يتسلل الفتور إلى حياتهما.

ويتمثل هذا المنبه في:
* جعل التواصل المستمر عادة يومية.
* خلق لحظات خاصة لهما فقط، بعيدًا عن الروتين.
* التقدير المتبادل بكلمة شكر بسيطة أو لفتة لطيفة.
* تجديد الحياة من خلال خوض تجارب جديدة معًا.
* العودة إلى البدايات وتذكر اللحظات الجميلة.

السلوكيات الصغيرة… فارق كبير
أما عن السلوكيات اليومية التي تُظهر الاحترام والشراكة أكثر من مجرد الكلمات الجميلة، فقد قدمت الدكتورة جواهر إجابة وافية، مؤكدة أن نجاح العلاقة يعتمد بشكل أساسي على منظومة من السلوكيات اليومية التي تُشكل أساسًا متينًا من الاحترام والشراكة.
ومن أهم هذه السلوكيات:
* الاستماع الفعّال: إعطاء انتباه كامل للشريك، مما يعزز من شعوره بالثقة والأمان.
* المبادرة في تحمل المسؤوليات المشتركة: تقليل الضغوط النفسية وتعزيز الشعور بالعدالة والمساواة.
* الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة: إظهار أن سعادة الشريك ونجاحه يمثلان أولوية.
* الذاكرة العاطفية التفصيلية: تذكر الأشياء التي تُسعد الشريك وتلك التي تزعجه، مما يُعزز من إحساسه بالأهمية.
وأكدت أن هذه الأفعال لا تمثل لفتات عابرة، بل هي استثمار نفسي في العلاقة، وعلى المدى الطويل تتحول إلى عادات إيجابية تُرسّخ الأمان والاستقرار.
وقد أثنى المدرب الدولي الدكتور عبدالقادر العداقي على روعة هذا الطرح، مؤكدًا على أهمية مهارة الإصغاء بالعقل وليس بالمشاعر لتجنب المشاكل الزوجية التي قد تؤدي إلى المقاطعة أو العنف اللفظي. كما شكر الماستر لايف كوتش د. مها من لبنان على مداخلتها القيمة.
وفي ختام هذا الحوار الملهم، أجمع المشاركون على أن الحب بذرة، ولكن الذي يحافظ عليها ويجعلها تنمو هو الرعاية، والاحترام، والشراكة الحقيقية.
حرر بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠٢٥م، بقلم د. منور عبد الرقيب الصنومي.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *