**”الذات الأسرية”: كيف تشكلنا عائلاتنا؟**
**بقلم: د. منور عبدالرقيب الصنومي**
**حرر بتاريخ: ١٦ صفر ١٤٤٧هـ الموافق ١٠ أغسطس ٢٠٢٥م**
تُعتبر الأسرة النواة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله. ففي داخل هذا الكيان الاجتماعي، تنمو جذور هويتنا وتتحدد معالم شخصياتنا. ومن هنا، يبرز في علم النفس الأسري مفهوم محوري يُعرف بـ **”الذات الأسرية“**، وهو العدسة التي نرى من خلالها أنفسنا ضمن سياق عائلاتنا، وكيفية إدراكنا وتقديرنا لهذه الذات وتفاعلها مع من حولنا.
**ما هي الذات الأسرية؟**
يشير مصطلح “الذات الأسرية” إلى مفهوم الذات لدى الفرد ضمن سياق الأسرة، وكيفية إدراكه وتقديره لنفسه وعلاقته بأفراد أسرته. إنه ليس مجرد انعكاس لصورة الفرد الشخصية، بل هو نتاج مركب للتفاعلات والتجارب التي يعيشها داخل محيطه العائلي. يهتم علم النفس الأسري بدراسة هذا المفهوم وتأثيره على التفاعل داخل الأسرة وعلى الصحة النفسية للأفراد.
ويمكن تفكيك هذا المفهوم إلى عدة جوانب أساسية:
* **إدراك الفرد لذاته:** كيف يرى الفرد نفسه كابن أو ابنة، كأخ أو أخت، أو كزوج أو زوجة؟ ما هي الأدوار التي يتبناها والصفات التي ينسبها لنفسه بناءً على موقعه في الهيكل الأسري؟ هذا الإدراك يتأثر بشكل مباشر بالرسائل التي يتلقاها من أفراد أسرته، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
* **تقدير الفرد لذاته:** وهو مدى شعوره بالثقة والاحترام والرضا عن نفسه داخل إطار الأسرة. إن التقدير الذاتي المرتفع غالبًا ما يكون ثمرة لبيئة أسرية داعمة ومُحبة، تقدر الفرد كما هو وتشجعه على التعبير عن رأيه ومشاعره بحرية.
* **علاقة الفرد بأفراد أسرته:** كيف يتفاعل الفرد مع والديه وإخوته وبقية أفراد أسرته؟ هل يشعر بالانتماء والأمان، أم بالعزلة والرفض؟ هذه العلاقات هي التي تشكل ميدان اختبار الذات وتطورها، حيث يؤثر الفرد فيمن حوله ويتأثر بهم في دورة مستمرة من التفاعلات.
**أهمية دراسة الذات الأسرية**
تكمن أهمية هذا المفهوم في كونه مفتاحًا لفهم العديد من الظواهر النفسية والاجتماعية، وتتجلى أهميته في النقاط التالية:
1. **فهم أعمق للتفاعل الأسري:** تساعد دراسة الذات الأسرية في كشف الديناميكيات الخفية التي تحكم العلاقات داخل الأسرة. فهي توضح كيف تتشكل أنماط التواصل، وكيف يتم توزيع الأدوار، ولماذا قد تنشأ الصراعات أو، على العكس، يسود الوئام.
2. **تحسين الصحة النفسية:** يرتبط مفهوم الذات الأسرية ارتباطًا وثيقًا بالصحة النفسية. فالأفراد الذين يتمتعون بذات أسرية إيجابية ومستقرة هم أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة وأقل عرضة للاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب. وعندما يكون هذا المفهوم مضطربًا، يمكن أن يكون ذلك مؤشرًا على وجود مشكلات أسرية تحتاج إلى تدخل علاجي.
3. **تطوير الذات وتحقيق الإمكانات:** إن فهم الفرد لذاته الأسرية يمنحه بصيرة حول نقاط قوته وضعفه. هذه المعرفة تمكنه من العمل على تعزيز الجوانب الإيجابية في شخصيته ومعالجة التحديات التي تواجهه، مما يدفعه نحو تحقيق أهدافه الشخصية والمهنية بثقة أكبر.
في الختام، يمكن القول بأن “الذات الأسرية” ليست مجرد مفهوم نظري يقتصر على الأبحاث النفسية، بل هي حقيقة نعيشها يوميا وتترك بصماتها على كل جانب من جوانب حياتنا. إنها المرآة التي تعكس لنا من نحن في أعين أقرب الناس إلينا، وفهمها هو الخطوة الأولى نحو بناء علاقات أسرية صحية ومجتمع أكثر استقرارا وتماسكا.
لا تعليق