الأهداف والأولويات… بوصلة النجاح أم فخ التشتت؟
بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي
“الأهداف كثيرة… لكن الأولويات قليلة، ومن يخلط بينهما يضيع الطريق.” بهذه المقولة التي ألقت الضوء على إشكالية محورية في رحلة التطور الذاتي، انطلق نقاش مثمر في قاعة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية AIA، سعياً للإجابة عن سؤال: كيف نساعد المستفيد على التمييز بين ما هو هدف ثانوي وما هو أولوية مصيرية؟
وقد أثرى هذا الحوار نخبة من الخبراء والمدربين والمختصين، الذين قدموا رؤى عميقة وأدوات عملية، شكلت معاً خارطة طريق واضحة.
فهم الذات: حجر الزاوية
أجمعت المداخلات على أن فهم الذات وقيمها يمثل نقطة الانطلاق الأساسية. اللايف كوتش خديجة مفتوح من المغرب أكدت أن ما يصنع الفرق هو قدرتنا على تحديد الأولويات المصيرية المرتبطة برسالتنا وقيمنا الأساسية، مشيرة إلى أن “اختبار البوصلة الشخصية” يساعد المستفيد على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي، فالأولوية هي ما يمس حياتنا، صحتنا، وعلاقاتنا.
الماستر لايف كوتش د. مها من لبنان، قدمت تساؤلات عميقة لمساعدة المستفيد على استكشاف ذاته، مثل: “ماذا سيتغير إذا حققت هذا الهدف؟” و “هل ستشعر بالندم بعد خمس سنوات إذا لم تحققه؟” وحول نفس المشاركة كانت المداخلة الصوتية المباشرةالتي تفضلت بها د.امل من البحرين. فيما أكدت الدكتورة نعيمة قدوري أن هذا التمييز يعتمد على “تحديد قيمه في الحياة”. وبالمثل، أشارت الدكتورة جواهر من المغرب، إلى أن “الأولوية دائمًا ما تكون مرتبطة بالقيمة”، موضحة بمثال أن الاستقرار المالي كقيمة أساسية يجعل توفير المال أولوية، بينما شراء هاتف جديد هدفاً ثانوياً. وواصلت الدكتورة جواهر في مداخلة لاحقة تأكيدها على أهمية “فهم من أنت؟ وماذا تريد؟”، مشيرة إلى أن هذا الفهم يساعد المستفيد على رؤية الصورة الكبرى لحياته.
اللايف كوتش نعيمة المحبوب من الكويت أكدت على أن تحديد الأولويات لا يتم إلا بعد “تسطير الأهداف ومعرفة الرسالة في الحياة وأدوار كل منا”، وأن هذا يتطلب من الكوتش أن يطبق هذه المعادلة على نفسه أولاً. أما المدربة د.سارة العرب من لبنان، فشددت على أهمية الأسئلة التي تساعد المستفيد على إدراك القيم والدوافع الحقيقية، مثل: “هل هذا الهدف يعنيك أنت شخصياً أم إرضاء للآخرين؟” وأن الأهم هو “الوضوح الذهني والاختيار الواعي”.
أدوات احترافية للفرز والتصنيف
قدم المشاركون أدوات عملية تساعد على ترجمة هذا الفهم الذاتي إلى خطة عمل واضحة:
* مصفوفة أيزنهاور: ذكرتها المدربة د.خديجة مفتوح بتفصيل، واعتبرتها الدكتورة جواهر من أفضل الطرق لتصنيف المهام بناءً على أهميتها واستعجالها. هذا المربع هو “الذهبي” حيث يكمن سر النجاح طويل المدى، لأنه يضم المهام الهامة وغير العاجلة مثل التخطيط وتنمية المهارات. كما أضافت اللايف كوتش ماريا تيجه مبارك المرابطي من المغرب أن هذه المصفوفة أداة أساسية لتوضيح الرؤية للمستفيد.
* اختبار النتائج: طرحت الدكتورة جواهر أسلوب “ماذا سيحدث إذا لم أنجزه؟” كأداة لربط الأهداف بالنتائج المباشرة. فإذا كانت الحياة ستستمر بشكل طبيعي، فهو هدف ثانوي، وإذا كانت الخسارة مصيرية، فهو أولوية قصوى.
* قاعدة المرآة العاكسة: اقترحتها الدكتورة جواهر كأداة لربط الأهداف بصورة ذهنية واضحة، حيث يتخيل المستفيد يومه المثالي بعد خمس سنوات، ثم يربط أهدافه الحالية بتلك الصورة المستقبلية.
* مبدأ 80/20: أوضحت الدكتورة جواهر أيضاً كيف يساعد هذا المبدأ على التركيز على الجهد الأكثر قيمة، حيث أن 20% من المهام القليلة هي التي تحقق 80% من النتائج المرجوة.
* عجلة الحياة والخرائط الذهنية: أشارت الماستر لايف كوتش د. صباح المنصوري من تونس إلى أن “عجلة الحياة” والخرائط الذهنية يمكن استخدامها لفهم الأولويات وتحديد المجالات التي تحتاج لتطوير.
الهدف وسيلة والأولوية غاية
لخصت الدكتورة أسماء الدواي من المغرب الفرق بين المفهومين بوضوح: “الهدف الأساسي هو الغاية الكبرى، والهدف الثانوي هو وسيلة أو خطوة لتحقيق تلك الغاية.” هذا المفهوم أكدته الدكتورة طريق كلثوم من المغرب، مشيرة إلى أن الأهداف تجيب عن سؤال “ماذا أريد؟”، وأن الأولويات هي التي تُستخدم لترتيب هذه الأهداف.
وذكر رئيس مجموعة السابقون للتنمية والتطوير، أن الهدف “قيمة مضافة في حياتنا”، بينما الأولويات كالصحة والعمل هي ما يجب “الحفاظ عليها وصيانتها بشكل لا نقاش فيه”. فيما أكدت اللايف كوتش ماريا تيجه مبارك المرابطي أن “كل أولوية هي هدف لكن ليس كل هدف أولوية”، فالأولوية هي ما يحافظ على الأساس.
الدكتور إبراهيم من المغرب أكد أن ترتيب الأولويات لا يعتمد على منطق خارجي، بل على “الفهم العميق لما يعنيه كل هدف بالنسبة للمستفيد”. هذا ما أشار إليه أيضاً الماستر لايف كوتش د. صباح المنصوري، عندما ذكرت أن الهدف يختلف عن الأولوية إلا إذا امتزج بالرغبة، وأن معرفة كيفية تفكير المستفيد هي الأساس.
أربعة مراحل نحو الوعي
لخص الماستر لايف كوتش عبدالرحيم الدادسي من المغرب هذه الأفكار القيمة في أربع مراحل:
* الاستماع بعناية: لمساعدة المستفيد على تحديد الأهداف والأولويات.
* تحليل الأولويات: لتصنيفها وفق أهميتها وتأثيرها.
* وضع خطة عمل: لتحديد الخطوات الضرورية.
* الاهتمام بالتطور الشخصي: وهو الأهم لردم الفجوة بين المؤهلات الحالية والطموحات المستقبلية.
وختاما، كما ذكر الماستر لايف كوتش د. فاطمة القماح، فإن دور الكوتش ليس فقط مساعدة المستفيد على وضع الأهداف، بل توجيهه ليميّز بين الهدف الثانوي الذي يضيف قيمة، والأولوية المصيرية التي تحدد استقراره وهويته.
وكما أشار الدكتور عبدالقادر العداقي بنفسه، فالأهداف كبيرة لكن الأولويات قليلة. وهنا تكمن مهمة الكوتش الحقيقية: أن يساعد المستفيد على الموازنة بين الأولويات المصيرية والأهداف الثانوية، ليعيش حياة متوازنة، يحقق فيها ما هو ضروري دون أن يفقد متعة ما هو ثانوي. وأن الإنتاجية الحقيقية ليست في إنجاز كل شيء، بل في إنجاز الأمور الصحيحة التي تخدم قيمه وتصنع مستقبله.
حرر بتاريخ ٢٣ صفر ١٤٤٧ هـ الموافق ١٧ أغسطس ٢٠٢٥ م
لا تعليق