الرجال يُعرفون بالحق، لا الحق يعرف بالرجال
المقولة للإمام علي رضي الله عنه “الرجال يعرفون بالحق، لا الحق يعرف  بالرجال” تحمل في طياتها حكمة بالغة الأهمية لتطورنا الشخصي والمهني. ككوتش، أرى في هذه العبارة دعوة للتفكير النقدي والاعتماد على المبادئ والقيم الجوهرية، بدلاً من الانسياق وراء الأشخاص أو المناصب. دعونا نستكشف هذا المفهوم بتعمق من خلال عدسة الكوتشينغ:
فهم المقولة: ما الذي تعنيه حقًا؟
ببساطة، تعني هذه المقولة أن قيمة الشخص الحقيقية تكمن في تمسكه بالحق والعدل والصدق والمبادئ السليمة، وليس العكس. الحق (سواء كان حقيقة، مبدأ، قيمة أخلاقية، أو قرار صائب) لا يستمد شرعيته أو صحته من قائله أو فاعله، بل هو قائم بذاته. فكم من مرة رأينا أشخاصا ذوي مكانة مرموقة يتبنون أفكارا خاطئة، وكم من مرة استمعنا إلى حقيقة عظيمة من شخص بسيط؟
في سياق الكوتشينغ، هذا يدعونا إلى:
* التركيز على المضمون لا المظهر: بدلاً من الانبهار بالشخصيات الكاريزمية أو أصحاب النفوذ، نتعلم تقييم الأفكار والمواقف بناءً على جوهرها ومنطقها.
* بناء قناعات داخلية: بدلاً من تبني آراء الآخرين لمجرد أنهم قالوها، نسعى لتطوير فهمنا الخاص للحق والصواب بناءً على الأدلة والتحليل.
* الشجاعة الأخلاقية: عندما ندرك أن الحق لا يعتمد على الرجال، نصبح أكثر شجاعة في الدفاع عن المبادئ الصحيحة، حتى لو كانت ضد التيار أو الآراء السائدة.
كيف نطبق هذا المفهوم في حياتنا (من منظور الكوتشينغ)؟
1. تطوير بوصلتك الداخلية
* التأمل والقيم: ما هي القيم الأساسية التي تؤمن بها؟ الصدق؟ النزاهة؟ العدالة؟ التميز؟ عندما تحدد هذه القيم، فإنها تصبح معيارك للحكم على الأمور.
* التساؤل النقدي: بدلاً من قبول الأفكار كما هي، اسأل نفسك: “هل هذا يتوافق مع قيمي؟ ما هي الأدلة التي تدعم هذا؟ هل هناك وجهات نظر أخرى؟”
* التعلم المستمر: الحق يتجلى في أشكال مختلفة. اقرأ، استمع، ابحث، وتعمق في فهم العالم من حولك لتتكون لديك صورة أوضح عن الحقائق.
2. اتخاذ القرارات الواعية
* فصل القرار عن القائل: قبل أن تتأثر بقرار أو رأي شخص ما، انظر إلى القرار بحد ذاته. هل هو منطقي؟ هل هو عادل؟ هل يخدم المصلحة الأكبر؟
* البحث عن الحقائق لا المصالح: في المواقف التي تتطلب قرارًا، ابحث عن المعلومات الموثوقة والمنطق السليم، وليس عن المصالح الشخصية لأطراف معينة (بمن فيهم أنت).
* تقييم الأثر: كيف سيؤثر هذا القرار على المبادئ والقيم؟ هل سيعزز الحق أم يضعفه؟
3. بناء قيادة حقيقية
* القيادة بالمبادئ: القادة الحقيقيون لا يعتمدون على مناصبهم لفرض سلطتهم، بل على مبادئهم وقيمهم التي تلهم الآخرين. يتبع الناس الحق الذي يتجسد في سلوكهم، لا الشخص بحد ذاته.
* القدوة الحسنة: عندما تكون أنت نفسك مثالًا للصدق والنزاهة والعدالة، فإنك لا تحتاج إلى منصب لكي تكون مؤثرًا.
* تمكين الآخرين: القائد الذي يؤمن بأن الحق يعرف بالحق، وليس بالرجال، يشجع فريقه على التفكير النقدي واتخاذ قرارات مبنية على المبادئ، بدلاً من مجرد اتباع الأوامر.
4. التعامل مع التحديات والصراعات
* التركيز على القضية لا الشخص: عند نشوب خلاف، حاول أن تركز على القضية المطروحة والمبادئ المتضمنة، بدلاً من مهاجمة الشخص الآخر أو التركيز على مكانته.
* البحث عن حلول عادلة: الهدف ليس الانتصار في الجدال، بل التوصل إلى حل عادل وصحيح يخدم الحق.
* المرونة الذهنية: قد تكتشف أن الحق ليس بالضرورة ما كنت تعتقده في البداية. كن مستعدًا لتغيير رأيك عندما تظهر حقائق جديدة.
أسئلة تأملية لك (كوتشينغ)
لتعميق فهمك وتطبيقك لهذه المقولة، فكر في الأسئلة التالية:
* في أي جوانب من حياتي أميل إلى تقدير الأشخاص أكثر من المبادئ؟
* ما هي القناعات التي أتبناها لمجرد أن شخصا ذا سلطة أو مكانة قالها، دون أن أفحصها بنفسي؟
* كيف يمكنني أن أصبح أكثر شجاعة في الدفاع عن الحق، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة آراء الآخرين؟
* ما هي الخطوات العملية التي سأتخذها اليوم لتعزيز بوصلتي الداخلية والاعتماد على المبادئ؟
* كيف سأقيّم القرارات المستقبلية في حياتي المهنية والشخصية بناءً على هذا الفهم الجديد؟
تذكر دائمًا، أن رحلة البحث عن الحق والالتزام به هي رحلة مستمرة تتطلب الوعي الذاتي، والشجاعة، والالتزام بالنمو. عندما “تعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال”، فإنك لا تعيش حياة أكثر صدقًا وفعالية فحسب، بل تصبح أيضًا مصدر إلهام للآخرين ليفعلوا الشيء نفسه.

بقلم د.منور عبدالرقيب الصنومي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *