النهوض من السقوط: كيف نتحول من تابعين إلى قادة لذواتنا؟
في خضم النقاشات الملهمة التي شهدتها قاعة أكاديمية الدكتور عبدالقادر العداقي الدولية (AIA)، ضمن سلسلة “انهض بذاتك أنت لم تولد لتكون لاشيء”، أثار الدكتور منور عبدالرقيب الصنومي تساؤلاً جوهريًا: “النجاح لا يعني أن لا تسقط بل يعني أن تتقن فن النهوض”. هذه المقولة، التي وصفتها الدكتورة أسماء الداوي بأنها “كلام في الصميم”، كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت حوارًا عميقًا حول مفهوم النجاح الحقيقي والوعي الذاتي.
العقول الثلاثة: مرآة الوعي الذاتي
في مداخلة مؤثرة، تناول الدكتور رشيد مورجاني تصنيفًا للعقول بناءً على نوعية الحوارات، مقسمًا إياها إلى ثلاثة مستويات:
* العقل العظيم: يتحدث عن الأفكار. هذا العقل لا يكتفي بالواقع، بل يحلله ويستلهم منه مفاهيم جديدة، ويسعى لبناء مستقبل أفضل.
* العقل المتوسط: يتحدث عن الأحداث. يراقب ما يدور حوله ويحلله، لكنه يظل أسيرًا للوقائع، دون أن يرتقي إلى مرحلة توليد الأفكار.
* العقل الصغير: يتحدث عن الناس. هذا العقل يغرق في التفاصيل الشخصية والنميمة، ويستنزف طاقته في أمور لا تقدم ولا تؤخر.
هذا التصنيف، الذي وصفته الدكتورة جواهر من المغرب بأنه “مرآة للتأمل”، يذكرنا بفلسفة أفلاطون، حيث أن العقل العظيم يشبه الفيلسوف الذي ارتقى من عالم الظلال إلى عالم المُثُل. وهو ليس تصنيفًا قدريًا، بل دعوة إلى التفكير في أي عقل “نبنيه” كل يوم، كما أشار الدكتور رشيد مورجاني.
الكوتشينغ: جسر بين القوة المزعومة والسلام الداخلي
في سياق متصل، قدم الدكتور عبدالقادر العداقي جلسة كوتشينغ عميقة تحت عنوان “لماذا يعيش الإنسان في صراع داخلي صامت مدعيًا القوة الخارجية؟”. أشار فيها إلى أن القوة الحقيقية ليست في إنكار الضعف، بل في الاعتراف به. هذا المفهوم، الذي عززته الدكتورة فوزية الناصري والدكتورة نعيمة المحبوب، يوضح أن التظاهر بالقوة غالبًا ما يكون قناعًا يخفي هشاشة داخلية ناتجة عن تجارب مريرة أو مفاهيم خاطئة.
وقد أكد الدكتور عبدالقادر العداقي على نقاط جوهرية:
* القوة الحقيقية: تكمن في الجرأة على أن تكون “حقيقيًا”، والاعتراف بأنك إنسان ضعيف بطبعك، كما جاء في قوله تعالى: “وخلق الإنسان ضعيفا”.
* الإنكار والتبسيط: يؤديان إلى تحول الآلام النفسية الصامتة إلى أمراض عضوية محسوسة، وهو ما أكدته الدكتورة جواهر من منظور الطب النفسجسدي.
* أهمية الدعم المهني: جلسات الكوتشينغ ليست رفاهية أو علامة نقص في الإيمان، بل هي وسيلة علمية ضرورية لتعين الفرد على فهم ذاته وتحقيق توازنه، تمامًا كالدواء للجسد.
هذه الجلسة ألهمت مداخلات أخرى، حيث أشار الماستر لايف كوتش عبدالرحيم الدادسي إلى أن مفهوم “الإنسان السوبرمان” الذي نادت به بعض الفلسفات الحديثة يتنافى مع الطبيعة البشرية “الاجتماعية بالضرورة”، كما عرفها ابن خلدون. كما أكد أن القوة الزائفة غالبًا ما تكون خوفًا من أحكام الآخرين، وأن الحل يكمن في “يقظة ذهنية” تساعد على الخروج من هذه الدوامة.
الخلاصة: أنت قائد ذاتك
في ختام هذا الحوار الثري، يمكن القول إن الرسالة الأساسية التي تجمع بين كل المداخلات هي أن التغيير يبدأ من الداخل.
* فن النهوض هو إدراك قيمة الحياة وقدرتك على تجاوز السقوط، كما قالت الدكتورة نعيمة قدوري.
* رسالتك في الحياة هي الدافع الحقيقي للعمل، كما ذكرت المدربة هبة اليوسفي.
* قيمة العقل لا تكمن في حجمه، بل في كيفية استخدامه، كما أشار الماستر لايف كوتش عبدالرحيم الدادسي.
إن هذا النقاش هو دعوة لكل شخص لأن يكون قائدًا لذاته، يتخذ قراراته بوعي، ويتعامل مع تحدياته بصدق، ويتوقف عن إلقاء اللوم على الآخرين، ليرتقي من مرحلة التابع إلى مرحلة صانع الأفكار والمصير.
بقلم: د. منور عبدالرقيب الصنومي
حرر بتاريخ: ١٢ صفر ١٤٤٧هجرية الموافق ٦ أغسطس ٢٠٢٥م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *