الجرأة الواعية: رحلة الثقة بين القضاء والقدر والفعل الإنساني

في رحلتنا نحو تحقيق الذات وإنجاز الرسالة، كثيراً ما يقف “الخوف” عائقاً في طريق النمو. لكن ما الحل؟ إنه مفهوم عميق من فلسفة الكوتشينغ يُعرف بـ **”الجرأة الواعية”** – ذلك التوازن الفريد بين الإيمان بقضاء الله وقدره، وبين تحمُّل مسؤولية الفعل والاختيار.

# ما هي الجرأة الواعية؟
ليست الجرأة الواعية تهوراً أعمى، ولا تحدياً أجوف. إنها **ثقة نابعة من الإيمان** بأن الله قد وهبك مواهب فريدة، ووضعك في مواقف محددة لتبدع فيها. إنها الحركة الواثقة التي تنبع من اليقين برحمة الله وحكمته، لا من الرغبة في إثبات الذات فقط.

# القدر: مشروع حركة لا دعوة جمود
يخطئ من يظن أن “القدر” يعني الاستسلام والخضوع السلبي للأحداث. بل العكس هو الصحيح! **القدر الإلهي يشمل أنك مخلوق صاحب عقل واختيار وإرادة وجرأة**. الله قدَّر لك أن تكون فاعلاً، قادراً على التغيير والتأثير في واقعك من خلال ما يحدث لك. فالرضى الحقيقي ليس قبول النتائج بالسلبية، بل هو **”التسليم الرباني”**: الرضا مع العمل الدؤوب للتقدم، واليقين أن النتائج النهائية بيد الله.

# لماذا الجرأة الواعية؟
* **جزء من المكتوب:** قد تكون جرأتك في خوض تجربة جديدة، أو تغيير مسار، جزءاً مما قدَّره الله لك لاكتشاف ذاتك ورسالتك.
* **تعزيز التوكل:** لا تناقض الجرأة التوكل على الله، **تقويه**. فالمتوكل الصادق يكون أشجع في خطواته لأنه يدرك أن النتائج بيد الله، وهو يحسن الظن بربه.
* **عنصر من حسن الظن:** الجرأة الواعية ثمرة طبيعية لحسن الظن بالله، والثقة في القدرات الذاتية، والنظرة الإيجابية للحياة والناس.

# كلمات خالدة تلهم الجرأة
يذكرنا الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي بحكمة خالدة:
> **”إذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومِ * فَلا تَقنَع بِما دونَ النُّجومِ”**
> **”فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم”**

# المعنى العملي:
إذا سعيت لهدف نبيل وشريف، فلا ترضَ بالدون أو تقبل بالهوان. اطمح للأعلى والأفضل، وتقدّم بلا توقف. واجه التحديات والمصاعب بوعي، لأن **”طعم الموت واحد”** سواء خضت غمار الحياة بجرأة أو اختبأت في زوايا الخوف. الأجدر بك أن تُخلّف وراءك إرثاً من الجرأة والإنجاز في قضايا عظيمة، من أن تموت وأنت سجين منطقة الراحة، يقتلك الخوف ويضيع منك الفرص وأنت تراها تتلاشى أمام عينيك.

# منطقة الراحة: الوهم القاتل
لا تظن أن البقاء في منطقة راحة هو “أمان”. **الأمان الحقيقي يكمن في الحركة والعطاء والجرأة الواعية**. العالم يتغير من حولك، والسكون في مكانك ليس حصناً منيعاً، بل هو بطء انتحاري للطاقات والإمكانات. التغيير سنة كونية، والتكيف معه بالفعل الواعي هو طريق النجاة والنمو.

# الخاتمة: عِشْ حياتك بوعي وجرأة
الجرأة الواعية **متعة حقيقية وجزء أساسي من رسالة حياتك الجميلة**. حين تشيخ، ستتأمل تاريخك وتسأل نفسك: هل عشت بجرأة ووعي؟ أم تركت الحياة تمر وأنت تنتظر؟ تذكّر: **”لم تولد لتكون لا شيء”**.

انهض بذاتك، تحرّك، تجرّأ بوعي وإيمان. اختر أن تعيش حياتك لا أن تكون مجرد مشاهد فيها. فالنتائج بيد الله، والفعل والاجتهاد بيدك. لا تخف، فالله مع المتوكلين الجريئين.

** بقلم د. منور عبدالرقيب الصنومي**
*(مستوحى من رؤية د. عبدالقادر العداقي في الجرأة الواعية)*

حرر٩صفر١٤٤٧هجرية الموافق ٣ أغسطس٢٠٢٥م

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *